مرحباً بكم فى عالم الإبداع السودانى


    مقالات د.علي عبدالقادر

    شاطر

    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    مقالات د.علي عبدالقادر

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الإثنين أبريل 11, 2011 1:39 am

    د.علي عبدالقادر سيد احمد وسنوات دراسة ممتدة من مقاعد مدرسة الصحافة غرب المتوسطة وإنتهاءا بمقاعد مدرسة الخرطوم الجديدة الثانوية..ضمنا الفصل الواحد..نتفق ونختلف في الرؤي..فرقنا الزمان..ويتواصل معنا من صقيع أوروبا..حيث ألقى عصا ترحاله في باريس باحثا أكاديميا..وحمل قلمه يعبر..وأرسل لي ثلاث من مقالاته تاركا لي تفويض النشر..



    عدل سابقا من قبل طارق نصر عثمان في الإثنين أبريل 11, 2011 1:56 am عدل 1 مرات

    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: مقالات د.علي عبدالقادر

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الإثنين أبريل 11, 2011 1:40 am

    الفشل في التربية الوطنية شرط لدخول حكومة "البلد الماعندو وجيع"

    الثلاثاء, 05 نيسان/أبريل 2011

    د.علي عبدالقادر/ باحث أكاديمي/ باريس

    جاء جدي لمدينة الخرطوم قادماً من قريته الصغيرة في نهاية القرن التاسع عشر وكان يردد بأنه لن يمتلك بيت بالعاصمة لأنه سيرجع لقريته في نهاية المطاف، ورغم أنه بقى بالخرطوم قرابة المائة عام وأصبح كشكه لبيع الليمون (مرطبات السنجك) بالمحطة الوسطى بالخرطوم من المعالم الرئيسية حتى بداية الثمانينات، ولكن ظل حنينه دائما لقريته و مسقط رأسه مرتع طفولته بالقرير باقياً حتى مماته. إذن كان حبه لأرضه صادقاً لم تغيره السنين و"لا الظروف ولا غيرته محنة" ولعل أصدق تعبير عن ذلك الحب هو قول أبو تمام:
    نقل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحب إلا للحبيب الأولِ
    كم منزل في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبدًا لأول منزل
    انتماء جدي وجدك وقبلهم أجدادهم وأجدادنا جميعاً وحبهم لأرض آبائهم وبذلهم الغالي والنفيس لإصلاحها وتعميرها كما أن التضحية بالأرواح لأجلها كما حدث فعليا وفي جميع أنحاء السودان وخاصة ضد الانجليز والأتراك يوضح لنا الوطنية الصادقة التي رضعوها مع لبن الأمهات ودليل لأسمى معاني الانتماء والولاء.
    بعد أن استطاع الأجداد تطهير وتحرير البلاد سلموها لأجيال ما عرفت ماذا تعني الأرض والوطن. بل انقلب الأمر رأسا على عقب فبدل أن يسخر كل فرد قدراته وطاقاته لخدمة الوطن، جاءت أجيال جديدة بعقلية أخري تتمثل في كيفية تسخير كل خيرات الوطن للمصلحة الذاتية.
    في البدء جاءت طرائق محببة لزرع حب الأرض والوطن بصورة عفوية في العقول والصدور من خلال أنغام " عجبوني الليلة جو ترثوا البحر صددوا " وهي تشيد وتمجد الإعمال البطولية والأخلاقيات الطيبة لشباب الوطن واستمتاع الجميع برائعة الخليل "عزة في هواك، عزة نحن الجبال*** وللبخوض صفاك، عزة نحن النبال"، وحفظ الأطفال لأناشيد "بلادي بلادي فداكي دمي*** وهبت حياتي فداً فأسلمي" ورغم ذلك ظل الهم الوطني وحب الأرض لا يمثل للفرد السوداني سوى أناشيد حماسية ثورية " قسماً قسماً يا أكتوبر*** نحمي شعارك ونجني ثمارك، ونرفع راية الثورة الغالية * عالية ترفرف فوق السارية " أو تمييع للموقف بأهازيج " أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا *** بالذي أصبح شمساً في يدينا" وأغاني يتراقص على أنغامها مثل "لو زرت مرة جبل مرة *** يعاودك حنين طول السنين" أو "يا مسافر جوبا يلا لي جوبا" أو يعلن حبه على إيقاعها الموسيقى" حبيت عشانك كسلا واخترت ارض التاكا" أو غيرها، ثم يفتر حب الوطن بانتهاء أخر مقطع في أغنية وطنية رمزية مثل" الساقية لسع مدورة".
    ثم جاء زمان أخر ربطت فيه محاولات زرع الوطنية والانتماء للبلد من خلال تظاهرات تنظيمية اختيارية تسعى في المقام الأول لتقوية المحبة بين الطفل والحاكم وهي تجارب لمناصرة النظام الحاكم ليس إلا، ومن تلك الأمثلة نجد الكشافة وطلائع مايو و"الكديت"- صغار الجيش- بالمدار س الثانوية ثم برزت تنظيمات أكثر صرامة وأشد قسوة مع فرضيتها كخدمة إجبارية وفيها يتم التركيز علي الجوانب النفسية التعبوية وغسيل الأدمغة كالدفاع الشعبي، والخدمة الإلزامية وانتهاء بالدبابين.
    ويأتي السؤال لماذا لا يؤمن الفرد السوداني بحب الوطن ولو من باب المقولة "حب الوطن من الإيمان" ؟
    يجيب البعض بان ضعف الروح الوطنية يرجع لأن الربط لم يكن بين الفرد والوطن بل بين الفرد والنظام الحاكم ممثل في الرئيس وزمرته" يا حارسنا وفارسنا، جئتنا وفيك ملامحنا" والدليل على ذلك صور الرئيس التي امتدت من العملة الورقية إلى الوزارات مروراً بمكاتب الدولة بل نزلت مفهوميه تمجيد الحاكم وإعلان البيعة الصورية من الرئيس إلي من ينوبه حتى إن صور الوالي أو المحافظ أصبحت تملا الطرقات والعربات ومحلات الباعة المتجولة وقد تجد لها يوماً مكانا عند أخواتنا من ستات الشاي. وعلى نفس النسق وفي إطار تمجيدنا لشخصنا هنا نحيلكم للعم" قوقل"ومقالنا السابق "أحلام محمد أحمد السوداني مابين حارس الأباريق ورئيس الجمهورية"، لمزيد من الإيضاح والربط!
    إذن تحول مفهوم الوطنية من انتماء للأرض والشعب بكل عاداته وتقاليده إلى مفهوم يحصر علاقة الفرد بالوطن في علاقة نفعية تتمثل في أحسن الأحوال في كلمتين حقوق وواجبات وحتى هذه تحولت بمرور الأيام إلي حقوق للفرد علي عاتق الوطن يسعى لامتلاكها بكل الوسائل المتاحة شرعية كانت أو غيرها.
    ينشأ الطفل ويجد أن أباه يستغل منصبه أينما كان موقعه و بغض النظر عنه لتحصيل منافع ذاتية ثم يكبر ويجد أن هناك جهتين منتفعتين حاكمة ومعارضة كلا منهم يتهم الآخر بعدم الوطنية وأن قلبه ليس على الوطن بل على مصالح خاصة. فتتهم المعارضة الحكومة بأنها قد باعت البلاد ورضت بتفتيتها مقابل أن تترك بلا مضايقات من قبل المحافل الدولية وغيرها لتظل ممسكة على مقابض السلطة. وتتهم الحكومة المعارضة بأنها تعمل بليل ولأجندة خارجية للانقضاض على السلطة. ثم يتهم الاثنان المواطن ورجل الشارع بأنه لم يتصد للطرف الآخر بما فيه الكفاية بحيث تتضح فيه جهة الولاء والبراءة "أنت معانا ولا مع التانين"!.
    والغريب في الأمر هو أن مبدأ الصراع ليس في من هو الأفضل لخدمة الشعب وتحقيق أمانيه بل في من هو الأحق بالاستمتاع بمنافع السلطة. أي أن الصراع حول السلطة من أجل السلطة" لعبة من يبقى على الكرسي".
    كلنا كأفراد من الشعب السوداني نعاني من عقلية تقيس نجاح الفرد من خلال اعتلائه المناصب وامتلاكه الأموال وخاصة المال الذي يظهر للعيان كبناء الفيلات على ضفاف النيل بأرقى الأحياء بالعاصمة، وكذلك من خلال سفره وتجواله بالطائرات وقضاء الإجازات القصيرة بالقاهرة والإسكندرية والعطلات السنوية بعاصمة الضباب لندن، بل لعل )عقدة النقص( لدى كثير من السودانيين هو زيارة مدينة لندن والإقامة بها، اعتقادا منهم بأن في ذلك ارتفاع ووصول لمستوى المستعمر السابق أي مستوى الرجل الإنجليزي.
    السؤال الذي يطرح نفسه :ماذا يعني حب الوطن وماذا تعني الوطنية لنا إن لم تكن تعني إكرام المواطن الآخر؟ الكثير من الناس يفضل المصلحة الذاتية ولو على حساب المواطن الآخر ويدعي في الوقت نفسه حب الوطن.
    وفي إطار السعي لتحقيق تلك المصالح، نجد أن أغلب السودانيين يبحث عن الواسطة على نطاق الأسرة أو الأصدقاء والمعارف ولو كان ابن عم جار سواق المدير أو المسئول الفلاني. حتى لو أدى تدخل تلك الواسطة لغمض حق الآخرين ولا يرى في ذلك ظلم للمواطن الآخر وعدم وطنية وخيانة للوطن.
    يدعى الجميع التشبع بالروح الوطنية ولكن لا يمنعه ذلك من الاستعانة بقريبه الفلاني لتجديد جوازه أو الحصول على تصريح أو تسهيل ما، بما في ذلك اقتناء الأراضي السكنية أو الزراعية، بل تجد البعض لا يتورع عن امتلاك العديد من القطع السكنية بطرق غير قانونية دون أن يرى في ذلك خرق لوطنيته وقبلها حرمان للآخرين من حقوقهم ؟
    وهكذا ينبغي لكل من أن يسأل نفسه هل الواسطة في المعاينات ودفع الرشاوى أو استلامها لا ينافي الروح الوطنية؟ هل استخراج رخصة قيادة ورخصة بناء ورخصة استيراد وغيرها يتماشى مع إدعاء الوطنية؟ هل شتم المواطن الآخر بصفة قبلية، أو مهنية "فاقد تربوي" يتوافق مع إدعاء الوطنية! هل كتابة المقالات وإطلاق التهم الجزاف فلان "عميل" و فلان في الاستخبارات أو الأمن ويقوم بتعذيب الناس، أو حتى الاتهامات الدينية "مارق" و"كافر" وغيرها لا يتعارض مع إدعاء الوطنية؟
    نجد أن الجميع إلا من رحم ربي حاكم ومعارض ومواطن يتأرجح مابين المنزلتين لا يرى غضاضة في ذلك الاستغلال غير الشرعي لمنصبه ومعارفه في الحصول علي المنافع الدنيوية بل على العكس لعل عدم استغلال تلك الفرصة تعتبر من العبط وكما قالها بعض عديمي الأخلاق في فترة مايو " الغنى غنى والما غنى ....”.
    بل رأينا كبار التكنوقراط وأساتذة جامعيين وكبار المطربين المعارضين الذين قالوا "ما هنت يا سوداننا يوماً عليناً"وغيرهم بمجرد استلامه "للكاش الذي يقلل النقاش" يتناسى هم الوطن ويبيع القضية ! بل تحول بعضهم من معارض لوزير وقبض المنافع ثم تحول لمعارض مرة أخرى في انتظار وزارة مرة أخرى، وتحول بعضهم من معارض شرس لمنظر للنظام. أي أن الفشل في التربية الوطنية أصبح من شروط تقلد المنصب الحكومي "القروش دي بنشتري بيها الزيك ديل"! ومن ناحية أخرى استفاد البعض وجعل من ارتمائه في حضن الحكومة أو ادعاء المعارضة تجارة رابحة ومصدر رزق لا ينقطع. بل دعونا نقول أن بعض هؤلاء المبدعون يعملون علي تنفيس غضب الشعب الكامن في الصدور حتى لا تتفجر من خلال الانتقاد للحاكم ولكن بصورة وصفها الأخير بقوله " دا كلام ساكت"، وهذا التنفيس في حد ذاته يزيد من عمر النظام.
    نصل في الختام لتأكيد ما قلناه في المقالات السابقة، بأن أزمة الحكم في بلادنا هي أزمة أخلاقية وتربوية في المقام الأول، وأنه لا يمكن للمواطن العادي ناهيك عن الحاكم والمعارض ادعاء حب الوطن أو الوطنية قولاً وفي الوقت نفسه القيام بكل ما هو منافي للوطنية فعلاً.

    ALI ABDELGADIR [abdelgadir@hotmail.com]









    عدل سابقا من قبل طارق نصر عثمان في الإثنين مايو 16, 2011 5:09 am عدل 2 مرات

    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: مقالات د.علي عبدالقادر

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الإثنين أبريل 11, 2011 1:42 am

    لالوب السودان ولا عنب فرنسا
    ديكتاتورياتنا ولا ديمقراطية غيرنا


    د. علي عبدالقادر/باحث أكاديمي/ باريس
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    كنا في مقالنا السابق بعنوان " قضايا فساد الحكام الفرنسيين وبعض حكام العرب" وفي نهاية المقال همسنا بفكرة المقارنة بينهم وبيننا، وهانحن اليوم نواصل توارد بعض الخواطر التي أثارتها الإحداث الجارية بالبلاد العربية.
    أثناء سنوات دراستي الجامعية بفرنسا أتيحت لي الفرصة للالتقاء بكثير من الطلاب من جنسيات عديدة ومن بلاد بعيدة فكان منهم المكسيكي والكوري والبرازيلي والصيني والجنوب أفريقي والنيجيري والإيراني والأمريكي والكندي والاسترالي والهندي ومن كالدونيا الجديدة كذلك كان هناك طلاب مغاربة ببقية الكليات بالجامعة. وأثار انتباهي إن أسلوبية التفكير ومنطقيته وكذلك درجات الانفعال النفسي تختلف باختلاف الجنسيات، فمثلاً غلب على الأسيويين طابع الهدوء بينما غلب على العرب طابع الحدة وعدم الراحة النفسية؟
    من أوائل الجمل التي حفظونا أياها في دروس تعليم اللغة الفرنسية جملة تقول "نحن في فرنسا لا نملك البترول ولكننا نملك الأفكار". و لما كانت أغلب الدول البترولية هي دول عربية، وباعتبار أنني الوحيد بالصف ذو لسان عربي فكنت أجد نفسي معني بالأمر وفي موقف دفاعي. فكنت أعلق على تلك الجملة الاستفزازية قائلاً هل يعني ذلك أن الدول التي تملك البترول لا تملك ملكة التفكير وقادني الأمر للبحث عن أسباب عدم امتلاك الدول البترولية وخاصة العربية القدرة على التفكير بصورة سليمة وقلت لعل الخلل له جذور في المرجعية المكونة للفكر الناطق بالعربية وهكذا سعيت إلي التحسين من ثقافتي من خلال الإطلاع على فكر ابن خلدون وموافقات الشاطبي و المواردي و المستصفي حيث توقفت كثيراً ومازلت أراوح عند أبي حامد الغزالي ثم نظرت إلي تنظير بن نبي الجزائري وقرأت أغلب كتابات محمد عابد الجابر وتحليلات محمد أركون وغيرهم فيما يخص تفكيك وتحليل العقل العربي ومعرفته ولكن كل ذلك التنظير الفلسفي وما صاحبه من حلول لم يشف غليلي ويضع المبضع تحديداً على موقع الخطأ داخل المحتوى الفكري للفرد العربي مسلم كان أم مسيحي أو لا ديني.
    كنت أتسأل بأن فكر يعلن مبدأ "أنا وأخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب" هل هو فكر معافى؟، و تسألت : هل وجود حرب البسوس وغيرها من الحروب الجاهلية أحداث تاريخية طبيعية واستوقفتني كثرة الاغتيالات في العهد العباسي وخاصة بالسم وبين أفراد العائلة الواحدة !هل قوله " وما أنا إلا من غزية إن غوت غويتُ وإن ترشد غزية أرشدِ " يدلل على عادة جاهلية قبلية وبدائية ليس إلاً؟ أم هي صفة لها جذورها ضمن مكونات العقل العربي.
    جاء الإسلام مكملا لمكارم الأخلاق ولكن إذا كانت تلك الأخلاق في حد ذاتها بها داء عصي ماذا عسانا فاعلين؟ دعاني لتوارد الخواطر السابق رغم قلة بضاعتي في علوم الاجتماع والفلسفة ما حدث ويحدث من ثورات في البلاد العربية هذه الفترة الأخيرة وما صاحبها من عنف ودماء.
    يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام "لزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئ مسلم"، ورغم ذلك استعر القتل واستسهل الاغتيال وكأن الروح العربية أو الدم العربي لا قيمة لهم، فمثلاً استمرت الحرب الأهلية اللبنانية لفترة 15 عام وحصدت فيها آلآف الأرواح، ولأجل ماذا؟ ووقعت مجازر حما والفلوجة وغيرها ولم تثور الشعوب العربية، واستسهل زهق الآلاف الأرواح بقرار ما وجرة قلم، ومن ذلك تلك الأرواح الطاهرة من خيرة المسلمين وحفظة القران الذين أبيدوا خلال بضع سنين في دارفور، ولم يجد الرئيس السوداني حجة تبريرية سوى القول بأن عدد القتلى كان 10 الآلاف فقط، وليس 300 ألف كما تناقلته وسائل الإعلام العالمية. و أشدد على كلمة "فقط" وبالرغم من ذلك كله لم تتم محاكمة ولو شخص واحد. وبنفس السوء القى الرئيس السوداني بالآلاف المؤلفة من الشباب والشيوخ في محرقة حرب جنوب السودان غير المسلم بهدف أسلمته ومات الآلاف ولم تتم أسلمة جنوب السودان بل انفصل وأصبح دولة قائمة بذاتها. أليس في ذلك خلل في منهجية التفكير ذلك إن وجدت هذه الأخيرة أصلاً.ا
    تقع حوادث قتل وسطو ونهب يومياً بدول الغرب بل إن الحياة غير آمنة البتة ويقتل المرء بلا سبب أحيانا من قبل عصابات أو أفراد ولكن القتل لا يكون جماعيا ولا يتم استسهال الأمر بل أنه أحيانا يستصعب قتل هر أو كلب في تلك البلاد. قد يقول قائل بأن الغرب يعاني من نفس تلك الهمجية والبربرية وان الحروب الصليبية الحديثة التي وقعت في البوسنة والهرسك هي دليل على ذلك. ودون أن تكون محاكمة بعض المسئولين الصرب واستمرار ملاحقة آخرين هي رد شافي، نقول أننا نعتقد بأننا فوق الغرب من حيث رفعة المبادءي الإنسانية وسمو الأخلاق حتى قبل مجيء الديانات السماوية ولا يمكننا التحجج بأن وجود الشراسة البهيمية بالغرب هو مبرر لوجودها لدى العرب أيضاَ.
    ولو قبلنا علي مضضَ ما سبق فكيف نبرر الصراعات والحساسيات بين دولنا العربية علي مستوى الحكومات بل وعلى مستوى الشعوب. بل إنه لا توجد دولتين عربيتين إلا وبينهم صراع حدودي وكمثال لذلك الخلاف القائم بين المغرب والجزائر حول الصحراء المغربية، بل إننا نجد داخل البلد الواحد صراعات وانقسامات كما هو في اليمن بين شماله وجنوبه وانفصال جنوب السودان عن شماله وتكوين دولة السودان الجنوبي. لا عذر بأن تلك الحدود رسمها الاستعمار،وعلى كل هو عذر أقبح من الذنب، فلماذا لم ننجح في التوحد بعد الاستقلال؟
    هل الخلل مرتبط بالعادات والتقاليد؟ هل هي ثقافة الصراع؟ هل الأمر هو خطاء في التعليم أم هو سمة حضارية مميزة للمجتمعات العربية؟.
    وهناك سمة أخرى لذلك الخلل في التفكير. ألا وهي وجود نزعتين متناقضتين داخل كل فرد، من ناحية نزعة شراسة وتعطش لممارسة القهر والعنف مادياً كان أو معنوياً أو لفظياً ضد من هو اضعف، ومن ناحية نزعة خوف ممن هو أعلى سلطة. و نستغرب لكيفية نجاح الحكام بقتل كل معاني الشجاعة والنخوة لدي الفرد العربي! فما الذي أصاب الشعب المصري ليرضخ تحت قانون الطوارئ لمدة 23 عام دون أن تكن له مقاومة تذكر؟ وما الذي جعل دولة مثل العراق ترضخ للاستبدادية عشرات السنين في خنوع تام؟.
    قبل أن يتهم أحد الأديان بسبب ذلك الخلل في التفكير، نجد إن دول الأعاجم في ماليزيا وباكستان واندونيسيا والهند وبرغم روح التدين الكبيرة في تلك البلاد و اختلاف مصادرها ما بين الإسلام والمسيحية والهندوسية والبوذية.، فهى دول تقدمت على جميع الأصعدة ووصل بعضها لتصنيع القنبلة الذرية مع أتسام الفرد فيها بالهدوء والانضباط ؟
    إذن الدين براء من هذا الخلل وبنفس الدرجة فإن الأمر غير مرتبط باللغة العربية لأننا نجد نفس العلل وخاصة العنف في الصومال وأفغانستان، بل امتدت الشراسة حتى الجيل الثاني والثالث من أبناء الجاليات العربية أو المسلمة التي ولدت في الغرب الأوربي.
    لنتفق بأن الحياة البدوية في صحراء قاحلة وظروف مناخية قاسية ولدت في الفرد العربي غلظة وقابلية للعنف تشكلت تلك القدرة الدفاعية أولا من أجل البقاء وسط الصحراء حيث لا زرع ولا ضرع و فوق ذلك ضرورة أخذ الحيطة والبقاء في وضع تأهب لان الهجوم من القبائل الأخرى أو حتى من أي طرف غريب أو قريب متوقع في أي لحظة وحين. و لعله بمرور الزمن وتحول الحياة نحو المدنية تحول ذلك العنف إلي شراسة وتحفز، أي بقيت شرارة دفاعية وحيلة هجومية متوقدة في الذهن العربي وتحول الأمر الى ما سمي بسرعة البديهة. ومن ناحية أخرى، فإن حياة الكر والفر لا تعطي المرء فرصة للتأمل والتفكير الهادي ولعل العرب ألفوا وتطبعوا بهذه النفس غير المطمئنة والروح القلقة وتوارثوها.فأصبح عدم الرضا والتوجس هو قانون للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، فحكمهم الحكام بالضغط والحديد والنار وقديما أعلنها الحجاج "أما و الله فإني لأحمل الشر بثقله و أحذوه بنعله و أجزيه بمثله ، والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى ... ، وأيم الله لألحونكم لحو العود ، ولأقرعنكم قرع المروة ، ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ... إنما هو انتضاء هذا السيف ، ثم لا يغمد في الشتاء والصيف ، حتى يذل الله لأمير المؤمنين صعبكم ، " ومن هذا نستشف بأن الحجاج يعتبر بأنهم قوم لا يصلح معهم سوى الاستبداد وفي أحسن الأحوال الاستبداد العادل. ويبقى السؤال هل ثمن التغيير في بلادنا لا يمهر ألا بالدماء؟

    الصحافة
    نشر بتاريخ 19-03-2011


    عدل سابقا من قبل طارق نصر عثمان في الإثنين مايو 16, 2011 5:18 am عدل 2 مرات

    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: مقالات د.علي عبدالقادر

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الإثنين أبريل 11, 2011 1:44 am

    أحلام "محمد أحمد السوداني" بين حارس الأباريق ورئيس الجمهورية ..

    بقلم: د.علي عبدالقادر

    الأربعاء, 23 آذار/مارس 2011

    د.علي عبدالقادر/ باحث أكاديمي/ باريس
    انتهينا في مقالنا السابق "لالوب السودان ولا عنب فرنسا، ديكتاتوريتنا ولا ديمقراطية غيرنا" بطرح السؤال "هل ثمن التغيير في بلادنا لا يمهر إلا بالدم"؟
    و نبدأ من حيث انتهينا، لماذا لا توجد لدينا فلسفة التغيير ولنسمه فقه التغيير لمجاراة موضة التعبيرات الإنقاذية! فبعد عهد التمكين عبر تسميات البنوك الإسلامية والجزارات الإسلامية، والزيجات الإسلامية وغيرها، جاءت موضة إضافة كلمة الفقه أمام كل شعار براق، مثل فقه التنزيل وفقه التأصيل، وفقه الواقع، وفقه التمكين وغيرها وكل ما في الأمر هو تلاعب بألفاظ جزلة ورنانة وشغل بال المتلقي والحقيقة المرة هي أن تلك الموضة تبطن عدم احترام واستخفاف بالآخر. وحتى لا نسقط بدورنا في حلقة الاستهزاء دعونا نثبت ونحفظ للإنقاذيين حقهم في إثراء القاموس وتثقيف القاري بتلك المفردات والتعبيرات التي لم يألفها من قبل سوى عند الامام الصادق المهدي.
    ودعوتنا لفقه التغيير هنا نعني بها قبول الآخر أو قبول الرأي الآخر واعتقاد أن الخيرية ليست حصراَ لأحد بعينه، وأن بالآخر خير أيضا، أو لنقل دعوة للجميع للتواضع والقبول بالآخر ولو من باب القبول "بإِمَامَة الْمَفْضُول لِلْفَاضِلِ".
    و التغيير الذي ننشده يبدأ دائما في البيت لأنه وكما قيل "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر". إذن أن كانت المفاهيم التربوية الصحيحة غير مطبقة على نطاق البيت والأسرة، ولم تختفي عبارة "يا ولد اسكت ساكت" وهذه أول مرحلة في قتل منهجية الحوار، و"أمسك الصحن حتى يقوموا الكبار" وتلك أول مراحل القمع التي يعيشها الطفل، ولم يختفي مبدأ (إذا دخل الأب البيت سكت الناطق وكف اللاعب). ولم يسود مبدأ تبادل الاحترام بين الزوجة والنسيبة، وظل الرجل يعيش ما بين اللوم من قبل الزوجة لبره بوالدته و التعنيف من قبل الأم لإمساكه لأهله بالمعروف. فما ينفك الرجل في حالة هروب منهن الاثنتين بحثا عن الهدوء وراحة البال في مكان أخر. وتظل الأسرة في حالة شقاء، وتساهم في إعداد و تفريخ طفل مقهور يحمل في دواخله مشروع ديكتاتوري في طور السكون والكمون، وحينما تتيح له الظروف التسلق لموقع مسؤولية ما ولو "حارس أباريق" في مرحاض السوق تطفو أمراضه الاستبدادية ويمارس سلطوية في اتخاذ القرار والأوامر بضرورة عدم استعمال هذا الإبريق واستعمال ذاك الآخر، بحجة إنه صاحب السلطة والعالم ببواطن الأباريق. وقس على ذلك، توازي ارتفاع درجة الاستبدادية بارتفاع درجة المسؤولية، وهذا الداء مرتبط في أغلب الأحيان بمفاهيم تربوية خاطئة أو تطبيق خاطئ لمفاهيم تربوية صحيحة، اللهم إلا من رحم ربي.
    وكمثال على التعليم في الصغر قوله )صلى الله عليه وسلم( "ياغلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك"، ونفهم من هذا الحديث أيضاَ عدم التوغل في مساحات الآخرين وعدم التغول على حقوقهم أي احترامهم.
    تعلم احترام النفس واحترام الآخرين نجده في قوله تعالي :
    "ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" . والإيمان بالمساواة " الناس سواسية كأسنان المشط"، و "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" .
    إن عدم فهم وتطبيق تلك المعاني السابقة يؤدى إلي انزلاق الناس نحو مختلف أنواع العنصرية، الإقليمية، الجهوية ووقوع البعض في خدعة وفتنة الإنقاذ المشجعة للقبلية، ولم يفهم البعض قوله "ص" "دعوها فإنها نتنة" ومن تلك النتائج أيضاً الاحتراب القبلي أو الجهوي أو المناطقي والذي تكون أبسط صوره صراع بين المركز والهامش. ونقولها داوية بأن محمد أحمد السوداني من حلفا إلى نيمولي ومن كسلا إلى الجنينة، وأينما ولد ووجد ولو بجزيرة توتي بالخرطوم لم ينل حقه وحظه من العيش الكريم إلا قلة قليلة من جميع القبائل والمناطق هم سدنة السلطة من قبل الاستقلال وحتى يومنا هذا. وعدم تصحيح وتطبيق تلك المفاهيم الديمقراطية في نطاق الأسرة يأذن بأن "التسويه كريت في القرض تلقى في جلدها".
    وعودة ألي بدء، نجد من عدم احترام الآخر، أن هناك بعض الأفراد وبعض الأسر تعتقد بأن الإمامة الدينية والقيادة السياسية هي حق لها، رضي من رضي وأبى من أبى. وبعضهم يؤمن بأنه وصي علي الآخرين! في حين أن الدين يعلن بأن "ثلاثة لا ترفع لهم صلاة … وذكر منهم: ورجل أم قوما وهم له كارهون"، أي رفض إمامة رجل لآخرين في الصلاة وهم له كارهون فما بالك بإمامتهم في الدين والدنيا.
    هكذا يعتبر البعض بأن أبناء المواطن البسيط محمد أحمد السوداني قصر لا يملكون ناصية التفكير أو القدرة على الخيار، إذا قام المواطن بالثورة ضد طغمة العسكر، جاء "التكنوقراط" والمثقفاتية بصحبة أولي الإمامة أو الزعامة الدينية و أصحاب القيادة السياسية التاريخية وقالوا بأنهم الأحق بالحكم وإذا رفضهم المواطن قالوا له بأنه شيوعي أو يعمل لأجندة خارجية.
    أقول، إذا كان البشير وحكومة الإنقاذ تعتقد بأنهم الأصلح والأحق بالحكم وإن أتوا ليلا على ظهر دبابة، وإذا قبلنا إنهم من ضمن الأصلح، ألا يؤمنون بأنه حان موعد الترجل عن السلطة؟ فبعد 20 سنة أمضوها في السلطة وتجاوزوهم دورتين رئاسيتين يكفلها الدستور كحد أقصى في الأنظمة الديمقراطية الرئاسية، فاستمرارهم في حد ذاته نوع من الديكتاتورية.
    ومن باب "أهل مكة أدرى بشعابها"، ما هي الأسباب التي تدعو المؤتمر الشعبي الآن للاعتقاد بأن شقيقه التوأم المؤتمر الوطني لم يعد الأصلح لحكم البلاد؟ وما هو سبب وصول د. الأفندي الآن إلى قناعة يقينية بأنه يجب تغيير نظام البشير؟ و بنفس القدر لماذا لم يقتنع د. وقيع الله؟ هل لمعاني احترام الذات أو احترام الآخرين دور هنا؟
    وفي إطار الاحترام للأبناء والشباب، ومن باب تجديد الدماء، فأن حلمي الكبير للمستقبل أن يصل كل من ولد قبل الاستقلال وكذلك أصحاب الزعامة الدينية وأصحاب القيادة السياسية التاريخية والمخدوعون بحروف الدال "القلم مابزيل بلم"، لقناعة بأنهم ليسو الأحق ولا الوحيدون الأصلح لقيادة البلاد، و يصدر كل منهم بيانا يعلن اعتزاله السياسة تحت تلك المسميات السابقة. وأنا على قناعة بأنهم لو رضوا أن يحترموا ويشاركوا محمد أحمد السوداني البسيط في بناء الوطن لكفاهم ذلك شرفا، ولأفادوا البلاد والعباد وأستمر لهم المجد إلى يوم يبعثون.
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]




    عدل سابقا من قبل طارق نصر عثمان في الإثنين مايو 16, 2011 5:23 am عدل 3 مرات

    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: مقالات د.علي عبدالقادر

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الإثنين مايو 16, 2011 5:12 am


    لالوب السودان ولا عنب فرنسا
    ديكتاتورياتنا ولا ديمقراطية غيرنا


    د. علي عبدالقادر/باحث أكاديمي/ باريس
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    كنا في مقالنا السابق بعنوان " قضايا فساد الحكام الفرنسيين وبعض حكام العرب" وفي نهاية المقال همسنا بفكرة المقارنة بينهم وبيننا، وهانحن اليوم نواصل توارد بعض الخواطر التي أثارتها الإحداث الجارية بالبلاد العربية.
    أثناء سنوات دراستي الجامعية بفرنسا أتيحت لي الفرصة للالتقاء بكثير من الطلاب من جنسيات عديدة ومن بلاد بعيدة فكان منهم المكسيكي والكوري والبرازيلي والصيني والجنوب أفريقي والنيجيري والإيراني والأمريكي والكندي والاسترالي والهندي ومن كالدونيا الجديدة كذلك كان هناك طلاب مغاربة ببقية الكليات بالجامعة. وأثار انتباهي إن أسلوبية التفكير ومنطقيته وكذلك درجات الانفعال النفسي تختلف باختلاف الجنسيات، فمثلاً غلب على الأسيويين طابع الهدوء بينما غلب على العرب طابع الحدة وعدم الراحة النفسية؟
    من أوائل الجمل التي حفظونا أياها في دروس تعليم اللغة الفرنسية جملة تقول "نحن في فرنسا لا نملك البترول ولكننا نملك الأفكار". و لما كانت أغلب الدول البترولية هي دول عربية، وباعتبار أنني الوحيد بالصف ذو لسان عربي فكنت أجد نفسي معني بالأمر وفي موقف دفاعي. فكنت أعلق على تلك الجملة الاستفزازية قائلاً هل يعني ذلك أن الدول التي تملك البترول لا تملك ملكة التفكير وقادني الأمر للبحث عن أسباب عدم امتلاك الدول البترولية وخاصة العربية القدرة على التفكير بصورة سليمة وقلت لعل الخلل له جذور في المرجعية المكونة للفكر الناطق بالعربية وهكذا سعيت إلي التحسين من ثقافتي من خلال الإطلاع على فكر ابن خلدون وموافقات الشاطبي و المواردي و المستصفي حيث توقفت كثيراً ومازلت أراوح عند أبي حامد الغزالي ثم نظرت إلي تنظير بن نبي الجزائري وقرأت أغلب كتابات محمد عابد الجابر وتحليلات محمد أركون وغيرهم فيما يخص تفكيك وتحليل العقل العربي ومعرفته ولكن كل ذلك التنظير الفلسفي وما صاحبه من حلول لم يشف غليلي ويضع المبضع تحديداً على موقع الخطأ داخل المحتوى الفكري للفرد العربي مسلم كان أم مسيحي أو لا ديني.
    كنت أتسأل بأن فكر يعلن مبدأ "أنا وأخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب" هل هو فكر معافى؟، و تسألت : هل وجود حرب البسوس وغيرها من الحروب الجاهلية أحداث تاريخية طبيعية واستوقفتني كثرة الاغتيالات في العهد العباسي وخاصة بالسم وبين أفراد العائلة الواحدة !هل قوله " وما أنا إلا من غزية إن غوت غويتُ وإن ترشد غزية أرشدِ " يدلل على عادة جاهلية قبلية وبدائية ليس إلاً؟ أم هي صفة لها جذورها ضمن مكونات العقل العربي.
    جاء الإسلام مكملا لمكارم الأخلاق ولكن إذا كانت تلك الأخلاق في حد ذاتها بها داء عصي ماذا عسانا فاعلين؟ دعاني لتوارد الخواطر السابق رغم قلة بضاعتي في علوم الاجتماع والفلسفة ما حدث ويحدث من ثورات في البلاد العربية هذه الفترة الأخيرة وما صاحبها من عنف ودماء.
    يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام "لزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئ مسلم"، ورغم ذلك استعر القتل واستسهل الاغتيال وكأن الروح العربية أو الدم العربي لا قيمة لهم، فمثلاً استمرت الحرب الأهلية اللبنانية لفترة 15 عام وحصدت فيها آلآف الأرواح، ولأجل ماذا؟ ووقعت مجازر حما والفلوجة وغيرها ولم تثور الشعوب العربية، واستسهل زهق الآلاف الأرواح بقرار ما وجرة قلم، ومن ذلك تلك الأرواح الطاهرة من خيرة المسلمين وحفظة القران الذين أبيدوا خلال بضع سنين في دارفور، ولم يجد الرئيس السوداني حجة تبريرية سوى القول بأن عدد القتلى كان 10 الآلاف فقط، وليس 300 ألف كما تناقلته وسائل الإعلام العالمية. و أشدد على كلمة "فقط" وبالرغم من ذلك كله لم تتم محاكمة ولو شخص واحد. وبنفس السوء القى الرئيس السوداني بالآلاف المؤلفة من الشباب والشيوخ في محرقة حرب جنوب السودان غير المسلم بهدف أسلمته ومات الآلاف ولم تتم أسلمة جنوب السودان بل انفصل وأصبح دولة قائمة بذاتها. أليس في ذلك خلل في منهجية التفكير ذلك إن وجدت هذه الأخيرة أصلاً.ا
    تقع حوادث قتل وسطو ونهب يومياً بدول الغرب بل إن الحياة غير آمنة البتة ويقتل المرء بلا سبب أحيانا من قبل عصابات أو أفراد ولكن القتل لا يكون جماعيا ولا يتم استسهال الأمر بل أنه أحيانا يستصعب قتل هر أو كلب في تلك البلاد. قد يقول قائل بأن الغرب يعاني من نفس تلك الهمجية والبربرية وان الحروب الصليبية الحديثة التي وقعت في البوسنة والهرسك هي دليل على ذلك. ودون أن تكون محاكمة بعض المسئولين الصرب واستمرار ملاحقة آخرين هي رد شافي، نقول أننا نعتقد بأننا فوق الغرب من حيث رفعة المبادءي الإنسانية وسمو الأخلاق حتى قبل مجيء الديانات السماوية ولا يمكننا التحجج بأن وجود الشراسة البهيمية بالغرب هو مبرر لوجودها لدى العرب أيضاَ.
    ولو قبلنا علي مضضَ ما سبق فكيف نبرر الصراعات والحساسيات بين دولنا العربية علي مستوى الحكومات بل وعلى مستوى الشعوب. بل إنه لا توجد دولتين عربيتين إلا وبينهم صراع حدودي وكمثال لذلك الخلاف القائم بين المغرب والجزائر حول الصحراء المغربية، بل إننا نجد داخل البلد الواحد صراعات وانقسامات كما هو في اليمن بين شماله وجنوبه وانفصال جنوب السودان عن شماله وتكوين دولة السودان الجنوبي. لا عذر بأن تلك الحدود رسمها الاستعمار،وعلى كل هو عذر أقبح من الذنب، فلماذا لم ننجح في التوحد بعد الاستقلال؟
    هل الخلل مرتبط بالعادات والتقاليد؟ هل هي ثقافة الصراع؟ هل الأمر هو خطاء في التعليم أم هو سمة حضارية مميزة للمجتمعات العربية؟.
    وهناك سمة أخرى لذلك الخلل في التفكير. ألا وهي وجود نزعتين متناقضتين داخل كل فرد، من ناحية نزعة شراسة وتعطش لممارسة القهر والعنف مادياً كان أو معنوياً أو لفظياً ضد من هو اضعف، ومن ناحية نزعة خوف ممن هو أعلى سلطة. و نستغرب لكيفية نجاح الحكام بقتل كل معاني الشجاعة والنخوة لدي الفرد العربي! فما الذي أصاب الشعب المصري ليرضخ تحت قانون الطوارئ لمدة 23 عام دون أن تكن له مقاومة تذكر؟ وما الذي جعل دولة مثل العراق ترضخ للاستبدادية عشرات السنين في خنوع تام؟.
    قبل أن يتهم أحد الأديان بسبب ذلك الخلل في التفكير، نجد إن دول الأعاجم في ماليزيا وباكستان واندونيسيا والهند وبرغم روح التدين الكبيرة في تلك البلاد و اختلاف مصادرها ما بين الإسلام والمسيحية والهندوسية والبوذية.، فهى دول تقدمت على جميع الأصعدة ووصل بعضها لتصنيع القنبلة الذرية مع أتسام الفرد فيها بالهدوء والانضباط ؟
    إذن الدين براء من هذا الخلل وبنفس الدرجة فإن الأمر غير مرتبط باللغة العربية لأننا نجد نفس العلل وخاصة العنف في الصومال وأفغانستان، بل امتدت الشراسة حتى الجيل الثاني والثالث من أبناء الجاليات العربية أو المسلمة التي ولدت في الغرب الأوربي.
    لنتفق بأن الحياة البدوية في صحراء قاحلة وظروف مناخية قاسية ولدت في الفرد العربي غلظة وقابلية للعنف تشكلت تلك القدرة الدفاعية أولا من أجل البقاء وسط الصحراء حيث لا زرع ولا ضرع و فوق ذلك ضرورة أخذ الحيطة والبقاء في وضع تأهب لان الهجوم من القبائل الأخرى أو حتى من أي طرف غريب أو قريب متوقع في أي لحظة وحين. و لعله بمرور الزمن وتحول الحياة نحو المدنية تحول ذلك العنف إلي شراسة وتحفز، أي بقيت شرارة دفاعية وحيلة هجومية متوقدة في الذهن العربي وتحول الأمر الى ما سمي بسرعة البديهة. ومن ناحية أخرى، فإن حياة الكر والفر لا تعطي المرء فرصة للتأمل والتفكير الهادي ولعل العرب ألفوا وتطبعوا بهذه النفس غير المطمئنة والروح القلقة وتوارثوها.فأصبح عدم الرضا والتوجس هو قانون للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، فحكمهم الحكام بالضغط والحديد والنار وقديما أعلنها الحجاج "أما و الله فإني لأحمل الشر بثقله و أحذوه بنعله و أجزيه بمثله ، والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى ... ، وأيم الله لألحونكم لحو العود ، ولأقرعنكم قرع المروة ، ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ... إنما هو انتضاء هذا السيف ، ثم لا يغمد في الشتاء والصيف ، حتى يذل الله لأمير المؤمنين صعبكم ، " ومن هذا نستشف بأن الحجاج يعتبر بأنهم قوم لا يصلح معهم سوى الاستبداد وفي أحسن الأحوال الاستبداد العادل. ويبقى السؤال هل ثمن التغيير في بلادنا لا يمهر ألا بالدماء؟

    الصحافة
    نشر بتاريخ 19-03-2011

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 26, 2017 12:56 am