مرحباً بكم فى عالم الإبداع السودانى


    إتكاءة علي الماضي-الساهر -حوار-يونيو2005 

    شاطر
    avatar
    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    إتكاءة علي الماضي-الساهر -حوار-يونيو2005 

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الخميس يونيو 10, 2010 6:55 am

    حواري مع استاذنا التشكيلي الكبير الصلحي
    مجلة الساهر-العدد الثامن عشر-يونيو 2005

    وكيل الوزارة مابين سجن كوبر وفندق قصر الصداقة..«الساهر»تعتقله للمرة الثانية!!
    ابراهيم الصلحي..التشكيلي..الممثل..الوزير في مدينة من تراب إلى عاصمة الضباب
    خططت لوضع كيان ثقافي وحاولنا توثيق منابع التراث
    مابيني و«الطيب صالح»نصف قرن من الصداقة الممتدة من مقاعد الدراسة الثانوية
    ماتعلمته في السجن لم أتعلمه في أي مكان


    ∎ حاوره: طارق نصر عثمان
    تصوير: أبوعيسى الحاج

    قابلنا «الحنين»..تلك الشخصية التي إرتبطت وجدانياً ب«الزين» عبر الرواية الرائعة للكاتب العالمي الطيب صالح في «عرس الزين»..وإن تبدل زيه وبدأت في إناقة أوروبية.. ولكنها تحيط بذات الشخصية..للشيخ الوقور الذي تجاوز السبعين بنصف عقد من الزمان.. ولكنه يحمل في دواخله قلب طفل برئ..وروح في عنفوان الشباب ..يميل للطرب ..يحمل كل تواضع العلماء.. ذهبنا لإعتقاله عبر الحروف ولكنه إحتفظ بنا كرهائن لمدة ساعتين من الزمان..منحنا إياها بالرغم مما تبقت له من سويعات ليغادرنا فيها عائداً إلى عاصمة الضباب..
    طاف بنا ذهنياً في أمدرمان العشق الأزلي..من حارة لأخرى ومن زقاق لسوق..تتبعنا آثار عظماء قدموا الكثير لهذا الوطن، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولكنهم تركوا بصماتهم الواضحة في مجالات شتى.. إنطفقنا معه منذ صيحة ميلاده بحي العباسية بأمدرمان، وتتبعنا دوروبه وخطواته مروراً بمدرسة التصميم التابعة لجامعة الخرطوم آنذاك وغادرناها معه عام 1591 وواصلنا معه المسيرة في «أسليد» لندن وغادرناها أيضاً عام 7591 وتنطلق المسيرة للوطن العشق، يبذل علمه من أجل الآخرين عبر كلية الفنون التي أطلت بوجهها الصبوح عبر المعهد الفني،وساهم بتشكيله داخلياً وخارجياً ..فكان من رواد مدرسة الخرطوم معه مع المبدع البروفيسور شبرين، وإنطبعت بصماته الإبداعية في المحيط الإجتماعي والثقافي، فكان معداً ومقدماً للبرامج التلفزيونية..وبذل نفسه للحياة العامة مديراً لمصلحة الثقافة، ثم وكيلاً لوزارة الثقافة والإعلام، وباشر حيناً المهام الكبرى فيها.. ودخلنا معه سجن كوبر الذي زامل فيه الكثيرين من أهل الفكر والثقافة والسياسة والعلم والإقتصاد لدرجة تكاد تجعله مدينة من تراب أخرى ولكن تحيطها الأسوار، ومن يتناوبون أداءً للواجب.
    والآن ندعوكم للدخول لحصيلة ماخرجنا به على لسان إبراهيم محمد الصلحي الفنان التشكيلي الرائد الذي حضر إلينا زائراً كغيمة طيبة سرعان مارحلت بعد أن قللت علينا لهيب صيف الخرطوم :


    مدينة من تراب!!
    ∎ الأستاذ الصلحي..خرج من مدينة التراب إلى عاصمة الضباب.. من أمدرمان «العشق» إلى « المنفي الإختياري».. نعود بك إلى «مدينة من تراب» للبروفيسور الراحل «علي المك».. نقلت فيها صوراً صادقة عبر الكاميرا تعبر عن تفاعلك العميق مع النصوص..تاركاً ساحة الغلاف للتشكيلي حسين مامون شريف عليه رحمة الله.. نعود بك لتلك اللحظات الجميلة ونتوقف عندها..!!
    حقيقة عندما طلب مني الأخ علي المك رسوم إيضاحية مصاحبة لنصوص كتابه «مدينة من تراب» أثارني هذا الموضوع إثارة كبيرة جداً لأننا كلنا من أبناء أمدرمان .. محبتنا لهذه المدينة تكمن في عراقتها ..لأنها مدينة عريقة .. وتاريخها لم يبدأ من المهدية، وقد إختارها الإمام المهدي بعد فتح الخرطوم كبقعة يستقر فيها.. لكنها مدينة قديمة من العصر الحجري..عندما كنا أطفالاً كنا نذهب لمكان حفر الترابة-المكان الذي يجلبون منه التراب-لقينا آثار من العصر الحجري فؤوس ورؤوس أسهم..كنا نشاهدها وكانت المنطقة محاطة بأسلاك شائكة..
    نعود للكتاب سعدت جداً بعرض علي المك ، لأن أمدرمان بجب أن توثق توثيق صحيح من أهله ، أخذت الأشياء الموجودة، ليست كعيوب ولكن في شكل واقع مباشر.. مثال صورة البول كان على الجدار الشرقي لمسجد أمدرمان، ذهبت إلى المقابر، طبعاً هناك ثلاث مقابر كبرى في أمدرمان « أحمد شرفي وحمد النيل والبكري»للمسلمين بالإضافة لمقبرة لإخواننا الأقباط توجد قرب مقابر البكري..جاء إختياري للكاميرا لأنها تقدم تعبيراً صادقاً لأن ماتراه العين تنفذه الكاميرا وتعمل بها. والكاميرا في إعتقادي يمكن تحويرها مثل الفرشاة وتنفذ بها أعمالاً فنية، هي آلة وأداء تمثل إمتداداً لما يراه الإنسان.. فكانت الصور المصاحبة لتلك المجموعة.
    كنت أتمني أن يتم إخراج الكتاب فنياً بصورة أفضل لأنني كنت قد وضعت تعليمات واضحة جداً طلبت فيها أن تكون هذه الصور الفوتوغرافية ممتدة ولا تحصر من الأطراف أي دون أي إطار يحدها، كنت أريدها أن تمتد كإمتداد أمدرمان دون حدود، زمان كان حدها الختامي الأنادي والمقابر والمزارع بالإضافة إلي مقالب القمامة «الكوش» ، وحيث تجد «كوشة» تعلم أنها حد المدينة..وكل مدينة لها حدود بطبيعة الوضع ولكنها تتمدد، أمدرمان تجاوزت المرخيات وجبل كرري وذهبت نحو الجرافة والفتيحات، أمدرمان لم يوقفها في الشرق إلا النيل..وقامت الجسور لتكمل بقية الإمتدادات للجهات الأخري. فأمدرمان مدينة حية خططت علي أساس حر..وصفها مستر قرين لو-المؤسس لكلية الفنون- قام بوصف أمدرمان تخطيطاً بمثل الورقة النباتية، وليس هو بالوضع الهندسي الذي يمتاز بالإستقامة والزوايا المعروفة..نموها نمو طبيعي فأهلها بالذات يكاد يكون قد جمع كافة أهل السودان بكافة القبائل . ففي مدينة أمدرمان تعرفنا علي اللهجات المحلية لكذا قبيلة ، وكان الفكي عبدالرحمن يورد أسئلته عن كلمات شمالية ومدى معرفتنا بها ، فكانت تأتيه إجاباتنا صحيحة لمعرفتنا الواقعية لما يجاورنا من خليط، مثلاً أنا ساكن حي العباسية يجاورنا ناس من جبال النوبة، عندنا فريق فنقر، كريش من الزاندي، عندنا الشايقية والرباطاب وعندنا الهاشماب في تداخل. وفي الموردة بالذات قبيلة تاما التي كانت توجد قريبة من طاحونة الفور ، فالتواصل بين القبائل السودانية أدى إلي وحدة، إلى أن أسقطت القبلية. فناس أمدرمان لايعرفون القبلية أصلاً فحدث التصاهر والتداخل بينهم . لأ أدري إن كان للتراب أثر، وكما يقولون« آخرتها كوم تراب»، فالموت وحده الذي يفرق
    بين الجماعات والأفراد ، المهم هذه لمحات بسيطة عن تصميم كتاب علي المك رحمة الله عليه.
    الركابية..المك والشوافعة!!
    ∎ حدثنا قليلاً عن صلتك بالبروفيسور الراحل علي المك..
    - إنها صلة قديمة .. كنت أذهب إليه في الفريق المجاور لسوق الركابية، حيث هنالك علي المك وأحد طلابي عابدين الشوافعة، أذهب إليهم سيراً على الأقدام ..وإمتد تواصلي معهم في الركابية، وأقسمت لعابدين بعدم حضوري لهم راكباً.. وأفضل وصولي لهم سيراً فتمتلئ قدماي بتراب أمدرمان الطيب وأرطبهما بقليل من الماء فتذهب مصطحبة الغبار..
    ∎ مقاطعة- أليست حقاً مدينة من تراب؟
    -أجابني ضاحكاً: دون شك..فبيوتها عتيقة..الحواري والزقاقات، الحيشان الواسعة عند علي المك وعابدين الشوافعة.. والذي يبحث عن الأصالة يجدها في مدينة أمدرمان..فالأحياء من السوق وفريق المغاربة وشرقه الركابية وتذهب لمكي ودعروسة..وتمشي لي قدام حي العمدة..وتمشي لودنوباوي وشارع الدومة وتصل لأبوروف والخدير في الأطراف القديمة التي كان يوجد بها الجند وكانت ثكنات لهم.. أمدرمان مدينة فيها عبق التاريخ، رغم أنها مانالت حظاً من التنظيم. والحمد لله ..مثل الخرطوم التي أعيد تنظيمها بعد فتح الإمام المهدي لها..وبحري
    فأمدرمان ظلت كما هي العاصمة الوطنية بحق وحقيقة بأهلها ومبانيها، كنت أطوف بالأسواق. وأنا حالياً أعكف على كتابة مذكراتي -ذكريات عن مدينة أمدرمان- الدرب الذي كنت أسير فيه كطفل ..بدأت من منزلنا بالعباسية ودرت حوله بالكبار الذين كانوا يقطنون حولنا مثل عم الطاهر أبو ويطة.. ناس كتيرة وأمها أم سترين وحبوبتها أم أبوالبهاء وفي الخلف ناس موسوليني وهتلر وهم أطلقوا هذه الألقاب على أنفسهم ، وألف حول الحي لأجد عم جابر البنا وكلتوم الشايقية ذات صلة قرابة بنا وهي من الهوارة معنا أخرج منها إلى فريق قدام إلى قدح الدم وبشارع الموردة أصل للسوق وعندي فيه ذكريات خاصة وأمر بفريق العمايا وبعده بفريق التعايشة وتمشي للرباطاب وأجول بالسوق وكل هذا بأقدامي..هذه المسائل أفضل تأملها خطوة وأخرى..أسير فيها وأتفقد الجدران القديمة وتوجد منها جهة ود الدر جدران طينية رفيعة جداً كورق السجائر..ولكنها ظلت واقفة، لأن طين أمدرمان كان قوي و«لك»يماثل الأسمنت ، وتستهويني الأبواب القديمة.. السرحة وباب السنط ولكن الآن دخل الحديد والزنك ليسيطرا علي تلك الروح..
    ودائما في أحلامي، وأنا هناك في بلد الضباب ، وأنا طفل صغير أجد أمدرمان لم تكبر في دواخلي، وأتخيل في أسوار المدينة في لندن حي مبني بالطين فأبدأ بالطواف بحثاً عنه..فهل توجد هذه المباني في لندن؟ ولكنها تراودني في أحلامي وفي واقعي..
    «حنين»..الطيب صالح!!
    ∎ قمة التشكيل مع قمة الرواية السودانية..ماهو سر إرتباطك بالأديب العالمي «الطيب صالح»؟..المتلازمة التشكيلية لمعظم رواياته عبرت عنه أناملك..
    - ألتقيت بالطيب صالح منذ عام 5491م تزاملنا في مدرسة أمدرمان الثانوية ثم إنتقلنا لمدرسة وادي سيدنا في الصف الثاني الثانوي في عام 6491م ، ومنذ بداية تعرفنا لم نفترق إطلاقاً..والعلاقة بيننا علاقة قوية ، بالإضافة للطيب صالح توثقت علاقتي بشقيقه مولانا بشير محمد صالح قاضي المحكمة العليا ..وعمل بدولة قطر وإنتقل للبحرين ،فصلتي بهم صلة قوية جداً، يمكن أن تكون واحدة من الأسباب التي أدت لإختياري لأداء دور «الحنين» عند تصوير فيلم «عرس الزين»..عندما حضر المخرج السينمائي الكويتي خالد الصديق أصر بشدة على إختياري لأداء ذلك الدور، لأسباب كثيرة لأنه رأي في وجهي أشياء تتطابق في وصف الطيب صالح لتلك الشخصية، ومن ناحية أخرى ذكر رابطة صلتي بالطيب صالح..
    أنا والطيب صالح لم نفترق إلا لخصوصية الظرف..لكن تقاربنا يظل واضحاً، طلب مني في فترة قديمة «توفيق صايغ» الذي يشرف على إدارة مجلة «حوار» في بيروت طلب مني عمل رسومات . وكان ذلك متلازماً مع فترة تغييري من أسلوب الرسم المباشر ودخلت في نوع جديد يغلب عليه طابع التجريد ووجد صدى لكون غرابته في الأسلوب فكان بسيطاً حتى بدأ للبعض كأنني لا أجيد الرسم!!..وأنا قصدت علي وجه الخصوص تغيير بطريقة تدل على الفطرة، التي تجدها في أسلوب «الطيب صالح» الروائي.. والغريب في الأمر رغم زمالتي له في المرحلة الثانوية ومابعدها، لم أعلم بأنه كاتب!!ودهشت عند رؤيتي لروايات «دومة ود حامد» وأوائل رواياته.. فسألته لماذا لم تفصح عن كل ذلك من قبل؟ فذكر لي بكل بساطة بأنها «صدف ساكت!!» ..والطيب بطبعه إنسان متواضع للغاية، وكاتب أصيل في وصفه ودقة التعبير عن المجتمع الذي يعرفه حق المعرفة وأهله..والتشكيل نفسه غريب في كتاباته..المزج بين المحلية الدارجة والعربية الفصحي، بل بين بأن اللهجة المحلية هي لهجة أصيلة وثرة ..
    طلب مني قبل سنتين كتابة نقدية أدبية وفنية عن الطيب صالح تتكون من 22 ناقداً. فحضروا إليّ فقلت لهم: لست بكاتبٍ أو بناقدٍ فلما حضرتوا إليّ؟ فقالوا لي ندخل إليك من زاوية معرفتك بالطيب صالح وتزاملك معه وصداقتك عبر عقود من الزمان فلابد من أن تكتب عنه ، وكان منهم د.حسن أبشر الطيب الذي أشرف علي إعداد الكتاب..وإستخرت الله وكتبت..الحمد لله كان بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ذكرت فيه « الصديق الوفي..المحب بمنتهى الوفاء..ذكرت فيه مواقف للطيب صالح وبدايات كتاباته ، والمعرفة عبر الزمن»..
    علاقة المنفى بالإبداع
    ∎ تضيق البلاد بالبعض..فيموتون في صمت..أو ينطلقون إلى «المنافي» الإختيارية، يعانون مرارة البعاد، يجترن الذكريات، ولكنهم يجدون التقييم الإعلامي اللازم فينطلقون في فضاءات العالمية..بينما إعلامنا موغل في المحلية، ويرحل إبداعنا في صمت..هلا حدثتنا عن علاقة المنفى بالإبداع؟
    -تكسو وجهه مسحة من الألم قبل أن يتحدث قائلاً: إعلامنا حقيقة ماهو إعلام ..هو دعاية فقط لأنه جهاز رسمي مملوك للدولة وبالتالي له محدوديته. فالإعلام مهمته تقديم المعلومة في شكل كبسولة للمتلقي، ولكن المضمون في غالبيته سياسي بحت يخضع للحاكم المسيطر على كافة أجهزة الإعلام فيه.فإنقلب إلى دعاية وهذا لايخصنا وحدنا بل يشمل دول العالم الثالث ككل بل والدول المتقدمة أيضاً يتضمن إعلامها على جزء كبير من الدعاية لنفسها ولأتباعها..ومع النظم الديمقراطية تتعدد الآراء ويفسح المجال للرأي الآخر..
    أقول أن خروج الإنسان من موقعه..ماذا يخرجه من بلد مثل السودان؟ ..بالنسبة لي كمجتمع رغم الصعوبات التي يعايشها والظروف الطبيعية التي يمر بها، من «سخانة وكتاحة» ومن «ذباب وبعوض» رغم كل هذا لايستطيع الإنسان أن يفارقه إطلاقاً.ولكن قد تكون أسباب الخروج سياسية وقد تكون إقتصادية نسبة لضيق المعايش، وللتغيرات التي تحدث دائماً من إنقلابات وتسريح للبعض ومحاربة البعض في رزقه، وقد يكون السبب مزاجي لأن الفنان يريد أن يتعرف على بلاد أخرى وعلى بيئات أخر وعلى مجتمعات ، ونستدل من قوله « كلوا من رزقه وإليه النشور» الإنسان لابد أن يتحرك بإستمرار ويتعرف على ماحوله إن كانت غربية أم شرقية، إن كانت مدينة ضباب أم مدينة تراب «دي أرض الله وأرض الله واسعة».
    هذه هي الأسباب، وربما هنالك أسباب أخرى الإنسان لايذكرها..وعلى سبيل المثال لا الحصر يبتعد الإنسان ويغترب لكن حنينه مستمر للبلد..«محل قطع السرة ده فوق البلد بالذات»..عليه العول كبير جداً في مكانة الإنسان المختزل من الأفراح ومن الحزن في البلد قائم في نفسه ، وعندما يغترب الإنسان يواجه بمجتمع جديد يريد أن يتأقلم معه، يريد أن يتقبل ويرفض..إلى أن يكيف وضعه، لكن دائماً عقله الباطن مشغول بما يختزله تجاه وطنه..بعض الناس يتناسون الإختزال والقيم.. وفق القيم الحياتية والمعيشية التي يعاصرونها من عادات وتقاليد وسلوك وقيم دينية..وعبر «الطيب صالح» عن ذلك أصدق تعبير في «موسم الهجرة إلى الشمال»ربط فيه بالذات بين من نزح وحاول أن يتأقلم وأخيراً أضطر إلى أن يرجع لوطنه ويبني حياته على النحو الجاري. حتى لم يُبين لنا نهاية بطل الرواية..هل غرق أم لا؟..فالطيب صالح جسد الكثير في شخصية «مصطفى سعيد» فهي تمثل مظاهر في نفس كل من يغادر ويحاول التفاعل مع الغريب من البيئة والعادات والتقاليد، المغايرة لمنبعه..
    ∎ مقاطعة-حالة تمزق مابين الداخل والخارج؟
    - دون شك.. وأنا أتحدث عن المختزل وأشير هنا إلى الجانب المكتسب في حياته، وهي أشياء قد لاتتوفر أساساً في بلده ، فالمجتمع هناك متطور جداً عبر الزمن ونحن لازلنا نحاول اللحاق بركب البشرية ككل.. هنا بالذات المكتسبات يجدها الإنسان فيها وسائل جديدة للغاية قد لايقبلها الإنسان. فيختار مابين السلبي والإيجابي، فيحاول الأخذ من الإيجابي ويقلل من السلبي بقدر الإمكان..هنا الفنان يجد خلفية تقدر عمل الأديب والرسام والنحات والموسيقار، حسب الثقافة التي يعايشونها والتدريب منذ الطفولة، يأخذونهم إلى المتاحف وصالات العرض والموسيقى ويخضع للتدريس ويهتم الإعلام بالجانب الثقافي وبالتالي الوافد من بيئات كمجتمعنا يأخذ «زبدة تكوينه»..العمل والتكوين عبر القرون، ويتعامل بها في الحياة اليومية المعاشة، ويزيد عليه خلاصة ماوجد في هذا المجتمع، ومن هنا يبدأ الإنفعال..حسب كل شخص..«كل حشاش يملأ شبكته»..ولكن أقول أن من الغربة مايحطم الإنسان، فكثيرون إنتقلوا من بيئاتهم الطبيعية إلى بيئات أخرى فإنجرفوا في تياراتها وبعدوا من القيم فلم يفلحوا..
    ∎ ولكن في الداخل لاتقدير..فمثلاً الأستاذ «الطيب صالح» إن كان بالداخل فلا وجود له!!ربما كان يطويه النسيان..ومثال الدكتور الراحل محمد عبدالحي..لم تتعد شهرته المليون ميل..ألا تعتقد بأنكم محظوظون وأنتم تنطلقون من الخارج بجانب الطيب صالح، ودكتور راشد دياب والنجومي وحسين شريف وآخرون؟
    - نجد الفنان والأديب ومن إنفتحت بصيرته ليستوعب ماهو مكتسب ويرتكز على ماهو مختزن .. وهو توفيق من الله سبحانه وتعالى..
    مقعد الإدارة والوزارة!!
    ∎ مابين التشكيل والوزارة..سبق أن تبوأت مقعد وكيل وزارة الثقافة والإعلام..ماذا عن تلك التجربة؟
    -التجربة كانت بالنسبة لي واجب وطني..لم أؤديه لرئيس أو لحكومة..مع تقديري لهم لأنهم متحملين العبء فجزاهم الله خير..لكن لما دعيت لإعادة تنظيم مصلحة الثقافة لم أتردد لأن البلد بلدنا وإذا لم نقدم له فمن سيقدم لنا؟..فوجدت أن الوضع يستلزم دراسة وإعادة تنظيم على أساس صحيح يرتكز على الخبرة المكتسبة في بيئات أخرى ويعمل بشئ مقارب لكنه ليس بتطبيق لما بالخارج لكن حكاية «من دقنو وفتّلو»..فلابد من التأسيس على واقع معاش..وتحاول تصلح ماهو موجود أساساً..فبدأنا بالطواف على منابع التراث السوداني في مختلف المناطق وتكوين كوادر حديثة التخرج من الجامعات، لأنهم «نورة العلم» لأنه معتد بنفسه ويرى أنه أفضل من غيره، هذه تجربة نجاح يجب أن نبني عليها، الناحية الثانية في طوافنا علي منابع التراث لجأنا إلى كبار السن..فبدأنا التخطيط إلى وضع كيان ثقافي علماً بأن الثقافة هي الأداة الجمالية لبناء الإنسان، مثل الطوبة السليمة في الأساس السليم ليقوم العمران..فأسسنا عناصر جيدة جداً دربت تدريب جيد، إستوعبنا ثلاثين كادراً في السنة الأولى، مع عدم وجود ميزانية لذلك ، وكذلك تم تأهيل عدد مماثل للسنة الثانية وتم تدريبهم كرواد ثقافيين في الطباعة على الآلة الكاتبة «عربي-أنجليزي» والتسجيل الصوتي والسينمائي والتوثيق في مجالات خمسة أجادوها في خلال عام بجودة تامة وطافوا فيها أرجاء البلاد..وهكذا صار الفرد منهم يمثل لوحده فريق عمل .. وهكذا جاءت فترة وشاءت الظروف أن يكون الإعلامي الممتاز جداً البروفيسور علي شمو كان قد تم إستدعاؤه للتشاور وإصلاح الوضع في دولة الإمارات الشقيقة فذهب لفترة كان من المفترض أن تكون قصيرة ولكنها طالت، فطلب إلي أن أتولى منصب الوزارة ، فوجدت في الوزارة نفس الوضع الذي كان في مصلحة الثقافة، فوجدت أن الثقافة هي مجرد مصلحة فيها فبدأت أولاً بتغيير الأسم من وزارة الإعلام إلى وزارة الثقافة والإعلام، فالثقافة هي الأصل والإعلام هو الوسيلة الجيدة .. أعدنا تطوير الوزارة ككل فعملت أشياء مشتركة وسيطة مثل الإدارة العامة وشؤون الموظفين والجانب الآخر الهندسي في شكل إدارة وكانت حينها أربعة وكانت الوزارة تتكون من الإعلام والثقافة والسياحة والآثار والشؤون الإجتماعية، فتم تحديد إختصاصات كل وحدة ووضعنا الروابط التي تصلهم معاً كوحدة واحدة وكلهم إلتقوا عند الجهاز الأوسط وهو الإدارة العامة والشؤون الهندسية..إشتغلت في تلك الفترة وركزنا على مسألة جمع التراث ككل والتعرف على منابعه. وخلق الماكينة التي تعمل على تشغيلها وتفعيلها وإنعاشها ، إهتممنا بإقامة المهرجانات، بأول مهرجان للأغنية السودانية ومهرجان الثقافة الأول..وبدأنا بالمعارض فأنشأنا صالة للعرض في «ميدان أبي جنزير» ولم تكن لدينا ميزانية إطلاقاً..فكان كل ذلك ب«الشحدة» من مكان لمكان..مع وجود تخصيص مبالغ مخصصة للثقافة في كل وزارة من الوزارات فكنا نطوف عليهم، فعناصرنا التي تم إختيارهم كرواد ثقافيين كانوا جيدين للغاية ..وأعدت تنظيم سكرتارية مكتب الوكيل، فكان يوجد سكرتير فقط يقوم بالأعباء فعملت سكرتارية «ذهنية» فقمت بإختيار أفراد من تلك المصالح الكبرى داخل إطار الوزارة فظلوا بقربي فكنت أغذيهم بإستمرار بالتقارير والمذكرات لمدة عام إلى أن إختزنوا كمية كافية من المعلومات فكانت تجربة مفيدة للغاية فكانوا بالنسبة لي بمثابة «الذاكرة الحية»..لأنك لاتستطيع أن تتذكر كل شئ فالوزارة كبيرة، فكانت تتم تغذيتي أولاً بأول بالمعلومات بفضل تدريبهم الكامل، وكان أملي أن يكون هو النظام الذي نسير عليه كقاعدة لوزاراتنا في العمل، بتجانس وترابط وتعمل لصالح البلد، ولكن.. ربنا أراد وقدر ولطف فدخلت «سجن كوبر» وإنقطع كل شئ..ولما خرجت وجدت أن كل مافعلناه لم يتبق منه شئ!!
    ∎ يرتبط ذلك بأحداث يوليو 6791؟
    -مصححاً: أحداث 5791..
    ∎ حركة المقدم حسن حسين؟
    -نعم ..رحمة الله عليه..إبن عمي
    خرج ولم يعد!!
    ∎ أستاذنا «الصلحي»..خرج ولم يعد لـ«بيت الجاك»!!
    - أجابنا ضاحكاً: بيت الجاك..أولاً أقول لكم قصته..كنت في الأول أقدم برامج، كنت أشارك في «مجلة التلفزيون» وكان لي ربع ساعة فقط خلال 54 دقيقة من عمر البرنامج ولما وجدت اللمحات التي كنت أقدمها قبولاً وكان في ذلك الزمان أخونا «علي شمو» جزاه الله خير..كان مدير التلفزيون طلبت منه إن كان ممكناً تقديم برنامج خاص بي مدته 54 دقيقة فكان برنامج « مع الناس»..حاولت أتلمس فيه البيئة السودانية ككل وكمية الموضوعات المقبولة مجتمعياً وغير المقبولة، فجاءت الفرصة لتقديم برنامج كامل، فذكر لي بأن هنالك مجال فقط للسهرة ، فبرنامج «بيت الجاك» كان ثلاث ساعات، أسبوعياً لأذكر إن كانت الثلاثاء أم الأربعاء، وللأسف البرنامج لم يكن فيه فريق عمل، من منتج ومخرج ومؤلف..فكنت أعمل لوحدي «الله ورقبتي» ومن جيبي الخاص.. لأنهم كانوا يدفعون في البرنامج فقط خمسة جنيهات أسبوعياً!!..فكنت أضيف خمسة أو ستة أضعاف ذلك المبلغ من عندي لتسيير العمل..الغرض من «بيت الجاك» في الحقيقة كان للنقد الذاتي..أنا كنت مهتم جداً بأن ننظر إلى أنفسنا ونحاول بقدر الإمكان أن نتعرف على ذواتنا ونرى الجانب السلبي والجانب الإيجابي ونمحو من السلبي بقدر الإمكان ما إستطعنا والعمل على أزدياد الجانب الإيجابي، فكنت أتطرق للأشياء بأسلوب جرئ، لم يعتد الناس عليه، حاولت التطرق لموضوعات حساسة للغاية وهذه كانت أخيراً عندما أطلقواعلي صفة «المجنون» و«المطرطش»!!
    ∎ مداخلة: ولكن الجنون صفة متلازمة للفنون يتهموننا بها؟!
    - واصل ضاحكاً..فإستحل بعضهم دمي..فكانوا يراسلونني.. وأتذكر أحدهم من سنجة رجل فاضل فقال لي:«إنت ود شيخ وخارج من بيت دين كيفن تتكلم بالشكل ده؟» ..وطعنوا في إسلامي بأنني لست مسلما!!..المهم هو أن يتبصر الإنسان في حياته، يتفكر في الصغيرة والكبيرة لنتبين طريقنا، فكان الغرض الأساسي النقد الذاتي، فكنت أتقمص شخصيات مختلفة، ستتذكر لو شاهدت جزءاً من البرنامج، أتقمص شخصيات مختلفة تتناسب مع الموضوع المتناول في الحلقة، وكان ذلك في الفترة ماقبل عام 5791م..
    ∎ ولكن حينها الغالبية العظمى لم تكن تمتلك أجهزة التلفاز!!
    بالرغم من ذلك كان هنالك رواج كبير للبرنامج، فكانت كميات هائلة من الرسالات نستلمها من المشاهدين، وكنت أركز خاصة علي التي تحمل في دواخلها نقداً للبرنامج فكنت أستفيد منها في أستدعاء الذاكرة عند التقديم..فكان الناس يتابعون بكثرة وبإهتمام شديد لدرجة أن البرنامج ساهم في إزدياد حالات الكسر المنزلي لأن «الناس كانوا يقهوا فوق الشاشة وناسين..والحرامي يدخل ويخلي البيت خلا..يشيل الدايرو ويفوت»!!..ـ أضاف ضاحكاً-: فقالوا أن البرنامج ساهم في الكسر المنزلي وضياع الممتلكات الشخصية للناس..فماذا أفعل أنا ومهمتي التقديم؟..ومنهم من ينتقدني في طريقة كلامي فيقولون بأنني أسرح و«أطير عيوني»..حاولت أكسر مابين الشاشة والمتلقي، ومابين المقدم والمشاهد، فكنت أخاطبهم مباشرة..
    ∎ هل كان يسجل البرنامج قبل بثه، أم كان مباشراً على الهواء؟
    - كان على الهواء وليست فيه أية وقفة إطلاقاً..وهنا خطورته بالذات، فإن فلتت منك كلمات فلا مجال للحاقها ، فأنا أعتبر إنها الطريقة الصحيحة،أما المسجل فيتعرض للمونتاج وللحذف وقد يخرج ناقصاً ومشوهاً فلا يؤدي غرضه..
    ∎ هل يمكننا القول بأن ذلك البرنامج كان سابقاً لأوانه؟ مع العلم بأن الفضائيات العربية والغربية صارت تنتهج نفس الأسلوب مؤخراً..ولم نحظ بمشاهدة ذلك البرنامج عبر الفضائية السودانية..ولو من باب «الأرشيف»..بل أخشى عدم تسجيلها أو المحافظة عليها إن وجدت..فهل تحتفظ بجانب منها؟
    أتذكر للمقاربة..حاولت السلطات المصرية شراء بعضاً من برامج «بيت الجاك»..وللأسف لا أملك منه شيئاً..وللأسف عند دخولك لـ«كوبر» ينقطع ويضيع عنك كل شئ..وهذه من سلبيات السجن.
    ∎ فلنتوقف قليلاً في هذه النقطة المؤلمة..سجن كوبر..فما هو أثر تلك الفترة عليك وعلى التشكيل المترسب في دواخلك؟
    - أقول لك بإختصار..ماتعلمته في السجن والله لو دخلت ستمائة ألف جامعة ماكنت تعلمته، لأننا كنا في ضيق لايعلمه إلا الله، فكل يوم بالليل يقوم أحدنا من المساجين..فالسجن يملأ ويخلى..وزنزانتنا كانت تكتظ بعشرة أشخاص من كبار أساتذة الجامعات وفلاسفة وسياسيين وقيادات العمال وقيادات الطلاب، فكان يومياً يقوم أحدنا بعد المغرب فيسرد قصة حياته بالكامل إن كان إدارياً أو طبيباً أو محامياً..مما جميعه، فما عرفته عن السودان من داخل السجن من نظام التعليم، والقانون والصحة،كل ذلك في فترة 6 أشهر و8 أيام..كل يوم أتعلم قصة حياة كاملة مروية على اللسان، أين تجد هذا؟..فهذه تجربة «كوبر»، ولكن هنالك جوانب أخرى من تعذيب نفسي وإحساسك المرير بالظلم، ولادخل لك بما حدث..وهنالك تهم توجه إليك وشبهات وغيرها فتسبب للإنسان «الكوابيس»..
    ∎ ألست محظوظاً بتلك الفترة البسيطة، مقارنة مع أخرين في نفس الحقبة قبعوا داخل السجون دون محاكمات وخلدت لنا في شكل متطابق «خمس سنوات»..فتغنى بشعرها عبدالرحمن عبدالله: خمسة سنين طويلة..مرت ليلة ليلة..يا ضابط السجن، وتغنى الراحل أبوداؤود: أوتذكرين صغيرتي، وربما لاتذكرين، المنديل المنقوش جانبه.. الخمسة أعوام قد مرت..
    - بدأ الألم في نبراته-: لكن اليوم كان بسنة..نفسياً وفعلياً..فخلال الشهرين الأوائل كنا ننام أرضاً، ونعاني من نمل السجن « كبار خلاص»، وبعوض وكمية من المياه الآسنة، يتكاثر فيها البعوض بإستمرار، فيتناوبون فينا النمل نهاراً والبعوض ليلاً..ونظام غذائي ردئ للغاية..ظهر أثرها لاحقاً في تشكيلي..آه.. من تلك الجدران العالية مابين ثمانية إلى عشرة أمتار وحارس يسير أعلاها بمدافعه..ولدي مذكرات شخصية عن تلك الفترة، فطالبني البعض بنشرها، فخفت من نشرها، فقلت أن لي بيتاً واحداً، هل أفقده مقابل كتاب؟..ففضلت الصبر إلى أن يأتي الزمن المناسب للنشر.. فكان في شكل شعر منشور ورسومات، وهو كتاب صغير ولكنه يعبر عن الحاصل بصراحة وبجلاء.
    ∎ مدرسة الخرطوم أنت من روادها..هل طواها النسيان؟ فأين إمتداداتها؟ وهل من تداعيات جديدة حولها؟
    لم يطوها النسيان إطلاقاً..لأنها في الحقيقة وضعت لبنات لأبجدية تشكيلية والخرطوم الثانية والخرطوم الثالثة هو إستمرار على ما أوجد في تلك الفترة..الآن أن أردت معرفة وجودها أم إندثارها تابع أعمال الفنانين ، عندك فنان كبير جداً، «محمد عبدالله عتيبي»..عمله في منتهى الروعة..عندك «صلاح المر»، هذه الأعمال تجد فيها نفس الرموز التشكيلية التي كانت تستعمل في بدايات المدرسة لكنهم طوروها ومستمرين في ذلك. وكثيرين غيرهم مثل«بكري بلال» وأعماله، وكل إنسان له إضافاته، فكل إنسان يستقي أصوله من جهة ما وهنالك حذوفات وإضافات فالعملية مستمرة..
    ∎ ولكن..إنحصرت مدرسة الخرطوم في التشكيل..بينما نلاحظ أن المدارس الفنية يواكبها الأدباء والشعراء والمفكرين؟
    - خذ مثال د.محمد عبدالحي « الغابة والصحراء»
    ∎ مقاطعة- ولكن د.محمد عبدالحي عاد إلى سنار؟!
    لا..فكل ما في المسألة..رجوع إلى التراث..وإستقراء للتراث بصورة صحيحة، وهنالك البعض ..محمد المكي إبراهيم..وعلي المك وغيرهم تعبر كتاباتهم وتحتشد بتلك المضامين المتفردة.
    ∎ أين موقع الصلحي الآن؟
    -هنا..
    ∎ ولكننا سنتفقدك بشدة بعد سويعات قلائل؟
    -أقولك حاجة..لو سألتني سؤال حميم وعديل، أنا شايف والله أنا في إنجلترا جسد لكن روحي هنا.. فأنا منقسم ومنشطر لقسمين وهذا هو السبب الذي لايمكنني من مفارقة السودان كثيراً..وهذه هي الزيارة الثانية لي خلال العام، والعام الماضي كانت زياراتي ثلاث..أبداً لايغادر السودان خاطري..وأنا هناك ما أستحضره في ذهني وفي أحلامي أغلبها سودانية بحتة متداخلة إلى حدٍ ما مع مايوجد هناك، لكن بالي هنا، فما يعنيه لي السودان هي مجموعة قيم راسخة لن تزول بالمرة ولن تقل حدتها إطلاقاً، فأنتم هنا ونحن نحسدكم على ما أنتم فيه رغم متاعبكم المعيشية، ولكنكم تعيشون في مجتمع رحب يتفقد الإنسان، «ونستكم»..بيوت البكا..بيوت الأفراح..هذا الخضم من الود والتحاب نحن نفتقده هناك، نحاول التداخل مع الجاليات السودانية ونتقارب كثيراً ولكن نفتقد ماعندكم هنا..ولذلك كلما تتاح لنا الفرصة لزيارة السودان نتسابق عليه، حتى «الطيب صالح» عاد للسودان بعد 81سنة، وظل السودان في مخيلته طوال تلك الفترة ..رغم عيشه في السودان معظم عمره.
    ∎«الحنين»..وغابةالإلكترونيات..حيث العالم قرية !!
    - شخصياً لا..لأنني إلى حد ما أكتفي بعمل اليد، والأداة الأولى ممثلة في الفرشاة والقلم، فالجانب الإلكتروني مهم، وكثير من التشكيليين قد دخلوا هذا المجال وتعاملوا مع الكمبيوتر،الكاميرا والڤيديو ..أما أنا أكتفي باللوحة ذات البعدين لأن هنالك أشياء لم تستكمل بعد..وناحية أخرى لأنها تفي بالغرض بالنسبة لي، وهذا لايعني رفضي للإلكترونيات فإنني أرى جدواها.. لكن لي عقدة مع التلفون!!فيوجد برزخ بيني وبينه،فمثلاً أعطوني هاتف نقال فلم أستطع إستعماله إطلاقاً، عندي حاجز مع التلفون، فعندما تصلني مكالمة أرتبك، في وقت أرى فيه أن الآلة، إن كانت عصا أم حجر لها أهميتها وأذكر هنا عصاة سيدنا موسى .. وماتلك بيمينك ياموسى؟..هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى..قال: إلقها ياموسى، فإذا هي حية تسعى..فهنا سيدنا موسى خاف من هذه الأداة لأن فيها طاقات ضخمة لايدركها..سنعيدها سيرتها الأولى، وقيل له هناك: إنك أنت الأعلى، وهي عن الآلة والأداة، والأداة قد تكون سلوكة أو جرار أو تراكتور أو روبوت.. وما أوتينا من العلم إلا قليلا..فكل هذه تنطلق من الفرشاة أو الكاميرا.. كل هذا بالنسبة لي وارد عقلياً، لكنني أكتفي بهما..
    ∎ هل من موقع إلكتروني للصلحي التشكيلي؟
    - حضرت للسودان ومعي كل أعمالي التشكيلية في أقراص ليزرية، نفذها لي آخرون، سلمتها للإخوة في إتحاد التشكيليين السودانيين..والآن هنالك عمل يتم في بريطانيا لتصميم موقع لي في الشبكة العالمية لأضع خلالها أعمالي، ويطل عملي من مختلف المواقع مع أعمال الإخوة التشكيليين السودانيين في ألمانيا وبريطانيا، يقوم عليها البعض بنشاط.. أما الموقع إن تخيلت أن أقوم به بنفسي فلا أكذب عليك، فهذا مستحيل!!
    ∎ هل سار الأبناء والأحفاد على طريق الصلحي التشكيلي؟
    - بعدوا قليلاً.. فأكبرهم موسيقار والثاني مصور فوتوغرافي وأخرى عالمة نفس أما أصغرهم فيشغل مدير إنتاج في مطبعة بلندن ..وفي الدفعة الثانية أربعة أحدهم كان رسام جداً من المفترض أن يذهب لكلية الفنون ولكنه دخل مجال العلاقات الدولية وكان مهتماً بالسياسة، وآخر يدرس إقتصاد ويدرس بالجامعة ليحقق حلمه بأن يكون مليونيراً.. وبنتان في مراحل دراسية إهتمن بدراسة اللغة الإنجليزية وعلم الإجتماع، وصغيرة بالثانوية.فلي ثمانية من البنين والبنات ولي ستة أحفاد.. ينتشرون في أوروبا وأمريكا.. ولو خيروني لحضرت للسودان راكضاً..فمنزلي في أمدرمان يعمر بسكناه، ولدي قطعة أرض في منطقة «ود البخيت».. بنيت فيها زمان الجدار الخارجي فدمرته الأمطار..وكان حينها يطلى بـ«الزبالة»، فبكيت عندها كثيراً، فكان هنالك جزء متبقي من «الزبالة» فطلبت من الزبال أن يقوم بتغطيتها وهي ساقطة أرضاً..وعند حضوري مرة أخرى أحلم ببيت في طرف البحر..في ظهري جبل كرري ونهر النيل أمامي
    ∎ سألته ضاحكاً: هل ستطلق عليه إسم «بيت الجاك»؟
    ردد بجدية شديدة وبعمق شديد: البيت .. البيت
    ∎ ترسو عصاة ترحالك التشكيلية مابين اللونين الأبيض والأسود!!
    - ماكنت أبحث عنه من أوائل السبعينات إلى منتصف التسعينات هي العلاقة الوسيطة ما بين الأسود والأبيض وهو الرمادي، وكنت أريد للرمادي ألا يقتل الأبيض أو الأسود، حقيقة هي معادلة صعبة ، فعملت بإستمرار لأكون من الأسود أسوداً كاملاً ولكن به نقاط بيضاء صغيرة جداً ولكنها تعطي اللون الداكن، والأبيض أتركه كما هو لأن الأبيض هو الضوء، الرمادي بالذات نفذته عن طريق الخطوط المتقاطعة، لكن كان همي ألا أقضي على بياض الورقة، فالفرشاة تغطي إلى حد ما الورقة، فأنا أردت للرمادي حيوية الأبيض. ومابين الأسود الداكن والأبيض تعطيك التقاطعات اللون الرمادي بدرجات متنوعة ، مابين الدافئ والبارد والصارخ والهادئ ، هي موازنات مستمرة ، عملت هكذا لمدة ستة عشر عاماً .. وساعدتني إقامتي في دولة قطر، فلا أحد هنالك يعلم بأنني رسام ، فأرحتهم وأراحوني!!..لم أنشغل بهم ولم ينشغلون بي،إلى أن سافرت من هناك..
    ∎ ختاماً..لك الشكر أستاذنا الصلحي، على هذه الفرصة الغالية، ويعود الفضل للإبن محمد الأشرف بأمانة الإتحاد العام للتشكيليين السودانيين، الذي قام بالتنسيق لهذا الحوار..على أمل أن يكون حوارنا القادم على شاطئ أبي روف على «البنابر» تحت ظلال السنط، ونودعكم وللشوق بقية..
    - أشكركم..فقد أثار حواركم في دواخلي الكثير..وأمنياتي لكم بالتوفيق، وعلى أمل التواصل نلتقي..∎
    avatar
    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: إتكاءة علي الماضي-الساهر -حوار-يونيو2005 

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الخميس يونيو 10, 2010 6:59 am

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    avatar
    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: إتكاءة علي الماضي-الساهر -حوار-يونيو2005 

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الأحد يونيو 13, 2010 6:45 am

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    avatar
    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: إتكاءة علي الماضي-الساهر -حوار-يونيو2005 

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الأحد يونيو 13, 2010 6:46 am

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    avatar
    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: إتكاءة علي الماضي-الساهر -حوار-يونيو2005 

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الأحد يونيو 13, 2010 6:51 am

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أغسطس 22, 2017 2:45 pm