مرحباً بكم فى عالم الإبداع السودانى


    إتكاءة علي الماضي-الساهر -سبتمبر 2005 

    شاطر
    avatar
    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    إتكاءة علي الماضي-الساهر -سبتمبر 2005 

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الأحد يونيو 13, 2010 2:36 am

    من كتاباتي المنشورة-البؤرة الملتهبة
    مجلة الساهر-العدد الحادي والعشرون - سبتمبر 2005

    في الشأن الإجتماعي..مآسي تستوجب الوقوف عندها:
    مفاجأة غير سارة للأسرة..بعد ست سنوات ظهور حفيد عبر إبنتهم!!
    الزواج العرفي ينتهي بمأساة الحمد وهروب «السبع«تاركا فريسته مابين الإجهاض وعار الميلاد!!
    بعد سنوات من مسيرتها التعليمية الجامعية كانت المفاجأة..لم تكمل الثانوية!!
    التداعيات المؤلمة لرحيل د.قرنق..إنزعاج أواخر يوليو..دماء ودموع،سلب وحريق مطلع أغسطس

    طارق نصر عثمان
    تداعيات مؤلمة تمت بها إستقبال شهر أغسطس..مابين الصدمة والرعب عاشت الخرطوم وبعض كبريات المدن السودانية، إثر إعلان خبر رحيل د.جون قرنق زعيم الحركة الشعبية عند تحطم المروحية اليوغندية يوم 30 يوليو الماضي، وحدث إنفلات أمني مريع فقدت بسببه الأرواح والممتلكات. وطغى الدخان واللهيب على سماوات المدن.
    .تتعمق الجراحات..وفي الإنتظار تروح الأرواح والممتلكات وتنتهك الأعراض..نترحم أولاً على الشهداء الذين فقدناهم في تلك الأحداث المؤلمة ونواسي الذين فقدوا ممتلكاتهم بالعوض ولمن عانوا من جراحتهم بالشفاء.
    وفي عودة للشأن الإجتماعي الذي تناولته عبر البؤرة الملتهبة للعدد الماضي..أكبر المصائب هو أن تتفاجأ الأسرة..وتكون فجيعتها كبيرة..ومصيبتها أكبر أمام المجتمع..لإرتباطها بالشرف الغالي، وسبق أن قدمنا العدد السابق بداية الملف الإجتماعي الخطير وماينتج عن عدم متابعة الأسرة لأفرادها مما تترتب عنه آثار خطيرة سالبة..ويتعلل معظم الناس بإنشغالهم الدائم سعياً وراء المال..ولامتابعة للأبناء والبنات بمختلف مراحلهم التعليمية والعملية..كان الموضوع نظرياً في العدد السابق ونتطرق للأمثلة الواقعية في هذا العدد لتكون عظة وعبرة، ليتدارك البعض مايمكن قبل فوات الأوان.
    وسر السعادة يكمن في التكاتف الأسري والمسؤولية الجماعية..ومابين الشدة واللين يكمن التعامل المثالي في زمان العولمة الصعب، صراع البيضة والحجر..تتعاظم المسؤولية التربوية مابين الأسرة والمؤسسات التعليمية وتطالها إلى العملية منها..إذن هذا أو الطوفان..وللخوض في بحر الألم والندم نبدأ بالسطور التالية:

    قصص واقعية..يتباين الزمان والمكان..تتشابه وتتشابك سبلها..ولكن الأبطال يتباينون عبر مسارحهم المختلفة، وكلهم يشتركون في المأساة مابين دم الشرف المراق بدءاً بالغشاء وإنتهاءً بالروح.
    حفيد غير متوقع!!
    كانت تسير أمور أسرة «ن» بصورة عادية، والدها مشغول بعمله ومايتبعه من عمل إضافي يمتد لما بعد المغرب. ووالدتها دخلت للمجال التجاري وتعددت سفرياتها وحركة البضائع..تمتد لأسابيع..أما إبنتهم «ن» فقد دخلت المجال العملي منذ سنوات عديدة إثر إنتهائها من دراستها الجامعية، رافضة عروض الزواج خلال هذه الفترة..ولكن إصرار أحد أقربائها على الزواج منها كشفت أوراق اللعبة.. بأنها متزوجة منذ سنوات عديدة بل وأنجبت طفلاً عمره ستة سنوات!!..تمت رعايته عند أحدى الأسر..فتتكاثر علامات الإستفهام والتعجب..فهي لاتتغيب من المنزل سوى ساعات عملها اليومي الذي يمتد إلى وقت الغروب..حتى فترة الحمل الممتدة عبر الشهور التسع والأيام العشر قضتها وسط أسرتها!! ربما كانت الأيام الأخيرة السابقة والتالية للميلاد قد غابت بحجة مناسبة ما أو سفرية عبر مأمورية ما.. المهم تجاوزت مرحلة الوضوع وماتلاها.. ولكن يظل السؤال قائماً:كيف تمر مرحلة الحمل ومايتبعها من تغييرات نفسية وجسدية دون ملاحظة من الأسرة؟..هنا تغيب المتابعة داخل المنزل فالوالد والوالدة همهما جمع المال..ولا إهتمام بالجلوس مع الأبناء والبنات، إنتفى الدفء العائلي، فإلتمسته «ن» بزواجها السري تحت تغطية العمل، والسرية هنا ذات حدين، ربما يدل على إخفاء زوجها السري لزواجه الثاني منها لعدم تمكنه من المبيت خارج المنزل. فكان الزواج النهاري..ذو الظلام الدامس لأسرتها..
    ليست طالبة جامعية!!
    واقع عايشناه خلال دراستنا الجامعية،إرتبطت بزميل من كليتنا وطالبة من كلية أخرى..وكانت الخدعة الكبرى، فمن كانت تدعى بأنها من الأسر الثرية المعروفة بإحدى المدن الساحلية، هي من أسرة فقيرة (وليس في الفقر مايعيب) ولكن الطموحات الخاطئة والآمال الواهمة دفعتها. كانت تقيم في داخليات الطالبات، بل وتستخرج بطاقة من شؤون الطلاب كل عام عبر التي كانت تتم حينها عبر روابط الطلاب..وكان زميلنا خلال فترة الإمتحانات يحرص على توصيلها إلى قرب قاعه الإمتحانات..ولكن ملاحظة من إحدى الطالبات كشفت الحقيقة المرة..إن تلك الطالبة لم تشاهد إطلاقاً داخل قاعة الإمتحانات، بالمقابل كانت تنزوي في مكان ما وتخرج في نفس توقيت نهاية الإمتحان..إما أمر إقامتها بداخلية الطالبات فكان يرتبط بالبطاقة الجامعية وخططت للإقامة مع طالبات من كليات أخرى حتى لايكشف أمرها..ولكن دوام الحال من المحال..إنكشف أمرها فكانت صدمة لزميلنا ولكل الطالبات اللائي زاملنها بالداخلية ..فإنزوت تلك الفتاة بعد ذلك إلى المجهول..وربما إتجهت للعب دور آخر بمسرح جامعة أخرى.. أما أسرتها في دوامة وهم التعليم وإنتظار تخريج طالبتهم الجامعية..ولكنهم حصدوا الهشيم!!
    مفصولة منذ سنتها
    الجامعية الأولى!!
    هذه المرة مسرح الميلاد في إحدى الولايات..وعرضت المسرحية التراجيدية في ولاية أخرى عبر إحدى جامعاتها، حيث إبتعثت الأسرة الطالبة «هـ» للدراسة في إحدى كليات تلك الجامعة، ولم يبخلوا عليها بالدعم المالي،مؤثرين على أنفسهم، وخصماً على متطلباتهم كان مددها. علها غداً تغدو خريجة ترفع رأسهم..ولكن في سنتها الرابعة كانت المفاجأة المؤلمة لشقيقها الذي تطلبت مهمة عملية سفره إلى إحدى مدن تلك الولاية ومر على الجامعة متفقداً فلم يجدها..وعند سؤاله لذوي الشأن في الكلية عن مسارها الأكاديمي كانت الصاعقة التي سقطت عليه من مسجل الكلية بأن شقيقته مفصولة منذ سنتها الأولى..فدارت به الدنيا ،وسقط مصاباً بإحدى الأمراض المزمنة..أما أين كانت تقضي السنوات الثلاث ومادار فيها نتركها لفطنة القارئ..

    الطالبة ست البيت!!
    إما حالة الطالبة «ب» القادمة أيضاً من إحدى الولايات لتستقر أكاديمياً بمدرجات إحدى كليات الجامعة العريقة فقد كانت سنتها الأولى هي المدخل لإنحرافها..كانت إقامتها مع عمها..وفي سبيل توفير أموالها رغبت في الوصول عن طريق السيارات الخاصة فسقطت في المصيدة..فالحال لم يسرها عند عمها من توالي أسئلته المشفقة عنها عند حضورها متأخرة للمنزل، أو تعليقه على طريقة لبسها. ولكنها حاولت التمرد على ذلك الواقع وهي الطالبة الجامعية وعمها مجرد عامل بسيط يحاول التحكم فيها حسب فهمها القاصر، وبهرتها غابات الأسمنت وفارهات متحركات عبر الأسفلت، ونظرت لمن هم أعلى منها، وحاولت أن تكون منهم..وسقطت مع أول قائد لإحدى الفارهات..ودخلت في عالم آخر، أسرها تكييف السيارة والموسيقى التي تنساب عبر سماعات الصوت عبر أماكن مختلفة مضيفة بعداً آخر للمكان الذي إنعزل عن خارجه بطبقة بلاستيكية كثيفة تكاد أن تظلم في وضح النهار..فتجاذبا أطراف الحديث..وبخبرته دعاها لتناول الإفطار داخل إحدى المطاعم الشهيرة التي ماكانت تحلم حتى بالمرور أمامه..وتناولت مالم تكن تحلم به لاعنة داخل نفسها تلك الساندويتشات التعيسة بالجامعة، وتلك الأطعمة التقليدية بمنزل عمها..ودخلت في عالم الأوهام..أسرها بمعسول الكلام فإنبهرت به فظنت أن أبواب النعيم قد تفتحت لها، ونقلت له شكواها عن معاناتها مع عمها والمواصلات والفطور التعيس بالجامعة. فوعدها بالحل، حيث تكون هي «ست البيت» وصاحبة المملكة..فكان المسرح إحدى الشقق التي يمتلكها ذلك الشخص ويستخدمها لأغراض يعلمها هو..وظلت ترتاد الشقة خلال يومها الدراسي لتنهل من الحرام.
    تأخرت في العودة من كليتها، فإنتاب عمها القلق، ولساعات متأخرة لم تصل المنزل، فتحرك عمها سائلاً عنها في كل مكان..مروراً بحوادث المستشفيات خوفاً من إصابتها بمكروه، بل وصل البحث لثلاجات حفظ الموتى في المشرحة ظناً من وقوعها ضحية لحادث مروري أودى بحياتها..ولكنها المسؤولية المريرة والأمانة التي تحملها عن شقيقه، فأخطر والدها بذلك. وحضر والداها فوراً وتم تعميم صورها على أقسام الشرطة بأنها خرجت ولم تعد..وسط سحابات القلق والهموم ضبطها رجال الشرطة وأحضروها..لم تنكسر نظراتها، بل ذهب حياءها وبدأت نظرتها غريبة ذات جرأة عجيبة..وكانت الصدمة عنيفة لوالديها وعمها،وأصاب الذهول طالبات دفعتها، فكانت دموع الندم من والدها وكان الضحايا من بعدها أخواتها..لقد أقسم والدهم بألا يدرسن في أية جامعة بعد ذلك!!
    يغتصب أخته!!
    نشأ «ن» في كنف أسرة ثرية. وفرت له كل متطلباته بل ويزيد، وكانت له سيارته الخاصة وعالمه الخاص من الرفقاء من نفس المستوي، كلهم وجدوا ونالوا مايريدون، وملوا مما يفعلون وفكروا في دخول عوالم جديدة لاملل فيها، وعرفوا طريق المخدرات، وصارت لهم جلساتهم في إحدى الغرف العلوية لأحدهم..يمارسون فيها صخبهم وتصدح الموسيقى بخصب شديد مابين شرقية وغربية..ضحكات وهلاويس..دموع وإغماء..وهكذا سيطر الإدمان عليهم فكان العالم الذي دخلوه من أجل الجديد هي بوابة السعير التي عصفت بأعصابهم..وصاروا مشوشي الفكر..أسارى لمتلازمات الإدمان من صداع حاد وخمول وغيرها..يذهبها عنهم تعاطي المخدر بوهم بحيث صاروا يدورون في أفلاكها مابين مستنشق ومطعون ومبلوع تحت مسميات مختلفة «هيروين-مورفين-أقراص هلوسة»..مروا بكل تلك المحطات وكلما إكتشف أحدهم وسيلة جديدة وأقوى دعاهم للتعاطي..ولايهم السعر مهما كلف فالمال موفور، وباب التجارب مفتوح على مصراعيه لهم..كل هذا يدور في غياب متابعة الوالدين، ومايهم فقط هو جمع المال وإنفاقه ببذخ شديد..أما الأبن المدلل لايهم إن كان نائماً حتى منتصف النهار، فهو كان في حفل مع أصدقائه وساهر ومرهق ولاداعٍ لإزعاج حضرته..وهكذا تستمر الحفلات يومياً في نظرهم!!ولكن مأساة «ن» كانت كبيرة إذ حضر ذات ليلة وهو تحت تأثير الأقراص المخدرة وشاهد أخته في غرفتها بملابس النوم وأكمل أوهامه القذرة بمداهمتها وإغتصابها!!وهكذا سقط لأدنى مراتب الحيوانية بإنتهاكه لأعراض المحارم، وهو مطالب بالدفاع عن العرض وهاهو ينتهك شرف أخته..وهذا ماجنوه بأموالهم المهدرة دون حساب من أجل الشباب..
    وتركها في طريق الرذيلة!!
    أما «خ» تتكرر قصته ونفس السيناريو ولكن البطولة ومسارحها تتعدد..إستغل الشاب «خ» وسامته وحسن هندامه ولباقته في كسب ود الكثيرات من بنات الحي الذي يقطنه، إلا «س» كانت أجملهن ولكنها لم تكن تعيره إهتماماً رغم محاولاته المتعددة، وصدته مرات عديدة وهو يحاول التقرب منها، فصارت تشغل باله، وفي دواخله الكثير..أحس بالهزيمة أمامها وقرر في دوخله أن ينتصر عليها..أتته الفرصة للهجرة لإحدى الدول البترولية عبر عقد عمل مغر أرسله له شقيقه الذي يعمل لسنوات طويلة بتلك الدولة، وسافر «خ» ومكث سنتين بتلك الدولة وعاد في إجازته السنوية، تحيط به هالة «الغربة» وسياج «العملة الصعبة»، إستقبلته أحلام الفتيات ينشدن قفصه الذهبي،تراودهن الأحلام الوردية..حتى «س» شملتها تلك الأحلام، فكانت من ضمن اللائي ذهبن للسلام عليه بعد عودته، وهي التي لم تكن ترد على سلامه من قبل.وكانت فرحته كبيرة وهي تضع يدها في يده ،أحساس غريب إنتابه عند مرور شريط معاناته معها.وتعمد أن يتجاذب معها الحديث عن أحوالهم والدراسة ومواضيع أخرى تشعبت طالبا منها ألا تنقطع عن مواصلتهم..وفي زيارتها التالية مدها بهدية خاصة بجانب هدايا صغيرة للأسرة، ولأول مره تحس «س» بأن «خ» قد أصبح ذو مسؤولية بعد أن كانت العطالة تغلفه بعد تخرجه من الجامعة، ولم يفكر في البحث عن عمل..الذي كان يمثل في نظره شقاء لا أكثر وهو يرى من زاملوه في مراحل مختلفة يعودون مرهقين ويجأرون بالشكوى من قلة المرتبات وإرتفاع المنصرفات، بل لجأ معظمهم للعمل في دوامين صباحي ومسائي..أما «خ» ظل يرفل في النعيم الذي ينفحه بهم شقيقاه من بلاد الغربة..ولم يكن له أي هم سوى معاكسة الفتيات وإمطارهم بكلامه المعسول، ودخل في علاقات متعددة مع من إنخدعن فيه!!
    وسقطت «س» في الفخ الذي نصبه لها «خ» إذ إستغل ذهاب أفراد أسرته لإحدى المناسبات وإنتهز تلك الفرصة وكان لهذا الإنفراد وقوعها في المحظور، ففقدت شرفها بمعسول الكلام عن الحب، وكفكف دمعات الندم بوعدها بالزواج..ذلك الوهم الذي ظلت تجد نفسها فيه كلما أحست بجراحها..سافر «خ»وتجاهلها تماماً بل قاد ضدها حرباً نفسيةً بذكره لبعض أصدقاءه بالحي بأن «س»فتاة سهلة، وكان مدخل بعضهم تهديدها بإفشاء سرها مع «خ»فرضخت لهم واحداً تلو الآخر وهي تلعن في نفسها اليوم الذي صادفت فيه «خ» بل وتجاوزتها بكراهيتها لكل الرجال..ولكن بعد فوات الأوان، فإضطرت للهرب من منزل أسرتها بعد أن بدأت الألسن تلوك سيرتها مع شباب الحي ومن هنا كانت رحلتها في عالم الضياع وسارت في طريق الرذيلة.
    يقتل رفيقه!!
    أما الشابان «أ» و«م» جمعتهما الصداقة إثر تعارف تم عند تكرار لقائهما أمام إحدى السفارات الغربية.كل يمني نفسه بالسفر لتلك الدولة ويحقق أحلامه..فكان التباين بينهم رغم إتفاقهما في الهجرة، حيث كان «أ» القادم من إحد أحياء الخرطوم العريقة، يميل للسلوك المتحرر، ويدمن تناول الخمور والمخدرات.. أما «م» قادم من إحدى الولايات، ويقيم مع خاله بأمدرمان، عرك الحياة مبكراً أثر وفاة والده وتحمله بالتالي للمسؤولية بوصفه أكبر الأبناء، وإخوته صغار في مراحل تعليمية مختلفة يحتاجون لما يعينهم، وكان يهدف لإختصار المشوار بذهابه للعمل في تلك الدولة الغربية وهو يمني نفسه بجني آلاف الدولارات، إذ يكفى مصروف أسبوع واحد هناك مايعادل أستهلاك أسرتهم في شهر كامل مع بعض المستلزمات الإضافية.
    كم كانت سعادتهما كبيرة عندما جاءتهما الموافقة من السفارة..وأكملا إجراءات السفر وسافر الصديقان سوياً وفي تلك العاصمة إلتقيا بشباب سودانيين ودبروا أمر سكنهم مؤقتاً معهم إلى حين اللحاق ببعض معارفهم في مدينة أخرى.
    وحضر أحد معارف «أ» ليصحبهما في جولة تعريفية ومن ثم الذهاب لمقرهم وتدبير أمر العمل لهما.
    وبتلك المدينة باشرا عملهما في مجالين مختلفين...وكان سلوكهما أيضاً مختلف..إذ إنغمس «م» بعد مرور فترة ومعرفته للمدينة في متاهات الضياع..خمور..مخدرات..نساء، وعندما لاحظ «م» ذلك عاتبه، ولكن «أ» أضمرها في نفسه.
    وكان «م» متفانياً في عمله مما أكسبه رضاء صاحب العمل، وعمل على تحفيزه.. وكان من العاملين المخلصين والمتميزين في الأداء..مواظباً على عمله.
    وذات صباح لاحظ صاحب العمل تأخر «م» عن الحضور فأصابه القلق من حدوث مكروه له،لأنه عند حدوث أي طارئ يتصل بمكان عمله، ومن ثم يضاعف جهده لتعويض مافاتهم، قام صاحب العمل بإيفاد أحد زملاء «م» وهو يقيم معهم في نفس المنزل، فكانت المفاجأة..عثوره على «م»بجوار مبرد الماء، ملقى على وجهه والدماء منفجرة من عدة طعنات تلقاها على ظهره، وسمع حركة بداخل غرفة «م» فكانت المفاجأة وجود «أ» يعبث بمحتويات حقيبته ويشرع في جمع الأموال التي أدخرها «م»..عندها قام الزميل بإبلاغ الشرطة التي حضرت بسرعة، وتمكنت من ضبط المتهم قبل هروبه من مسرح جريمته، ويبدو أنه أراد تنفيذها بحجة تنفيذها ضد مجهول..قتل من أجل السرقة..ليكون هو قد هرب عبر القطارات لدولة مجاورة، وينعم بالأموال في ملذاته..وهكذا تم كشفه في اللحظات الأولى ليكمل ضياعه بجريمتي قتل وسرقة.
    نهاية يوليو: أخبار مزعجة
    إستقبلت البلاد في اليوم الأول من أغسطس الماضي الخبر المؤلم بتأكيد رحيل د.جون قرنق دي مابيور النائب الأول لرئيس الجمهوري ورئيس حكومة جنوب السودان بجانب زعامته للحركة الشعبية، في حدث مؤلم بتحطم المروحية الرئاسية اليوغندية في جنوب البلاد، فكانت الصدمة للجميع في ربوع السودان، والألم الذي بدأ على الجميع أثر تلقيهم للنبأ المؤلم، لقد دخل الفقيد قلوب السودانيين بمخنلف إتجاهاتهم بالرغم من خوضه لحرب إمتدت لإثنين وعشرين عاماً واجه فيها أربع حكومات، وكانت النهاية بالوعد الزاهر للسودان إثر توقيع إتفاق السلام، بعد محادثات مطولة في منتجع نيفاشا الكيني، تحت رعاية الحكومة الكينية، تم التوقيع وسط حضور وترحيب دولي لينهي أطول نزاع مسلح دار في قارة أفريقيا..وبموجب الإتفاقية تم تنصيب العقيد جون قرنق كنائب أول لرئيس الجمهورية في التاسع من يوليو الماضي، وباشر عمله من خلال مكتبه بالقصر الجمهوري لمدة قاربت الأسبوعين ومن ثم توجه لجنوب البلاد لإجراء بعض الترتيبات بعد أن إتخذ قرارات بتعيين بعض القيادات في الحركة الشعبية كمشرفين في الأقاليم الجنوبية، وشهد بعض الإحتفالات الرسمية قبل أن يغادر في رحلته الأخيرة لدولة يوغندا..فكانت آخر رسالاته للأمة عبر الخطابات «الحكيمة» التي تمت في آخر لقاءاته الجماهيرية..بجانب الصرامة التي يمتاز بها الفقيد د.قرنق، يمتاز بروح الدعابة والمرح وهي تجمع بين صفات المقاتل والإنسان، لاشك أن أكثر الناس تأثراً برحيله هو الأستاذ علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية. الذي عايشه عن قرب لشهور طويلة، وفي صبر شديد يتناولان ملفات صعبة لمسببات حرب طويلة مستنزفة للأرواح والخزينة العامة، لقطتان مرفقتان أحداهما خلال المباحثات في نيفاشا، والثانية في يوم توقيع إتفاقية السلام.تعبران عن الروح التي ذكرناها عن الفقيد الراحل.
    ولكن في مساء اليوم الأخير من شهر يوليو جاءتنا الأنباء المزعجة عن إنقطاع الإتصال بالمروحية التي أقلت د. جون قرنق عند عودته من يوغندا في المروحية الخاصة بالرئيس اليوغندي يوري موسيفيني، وفي تصريح رسمي للحكومة السودانية أن الرئيس اليوغندي قد أخطر السيد رئيس الجمهورية بذلك الخبر بعد مرور أكثر من ٢٤ ساعة للحدث!!..وبكل أسف المروحية أقلعت من يوغندا عصر يوم السبت، وتم إخطار الحكومة رسمياً عند التاسعة من مساء الأحد، حيث شرعت الحكومة في إجراء الإتصالات الدولية وبدء محاولات الإنقاذ.
    وبين هذا وذاك صدر تصريح عبر الناطق الرسمي بأسم الحركة الشعبية يؤكد بأن الطائرة قد هبطت بسلام في إحدى معسكراتها..ليتنفس الناس الصعداء، وتدفع بعض الصحف المحلية بذلك عبر عناوينها الرئيسية للمطابع في محاولة للحاق بسوق التوزيع مبكراً..ولكن تأتي الأنباء الرسمية النافية للخبر السابق وتؤكد بأن المصير لازال مجهولاً..وهكذا قضت الأوساط ليلة مزعجة..مع التوقعات المختلفة وبصيص آمال بالعثور على المفقودين أحياء، وألا يصيبهم مكروه.
    وكانت الحركة الشعبية قد بدأت صباح ذلك اليوم البحث عن الطائرة، التي عثر على حطامها في ظهر نفس اليوم، وتم العثور على جثة النائب الأول والحرس الخاص به وطاقم الطائرة الرئاسية اليوغندية، وتم التكتم على ذلك الخبر لترتيبات خاصة بالحركة
    مطلع أغسطس: دماء وحريق
    تم الإعلان رسمياً عن مصرع السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية صباح يوم الإثنين الأول من شهر أغسطس ، فكان خبراً مؤلماً وصدمة عنيفة للجميع، وساد الحزن كافة الأوساط..وتم الإعلان رسمياً عن الحداد لمدة ثلاثة أيام.
    وعلى المستوى الشعبي، مارس الناس أعمالهم بصورة عادية..إلى أن حانت الساعة التاسعة صباحاً..كانت ساعة الصفر.. حيث بدأت موجات الفوضى والعنف تسري في نفس التوقيت، معتدية على الأرواح والممتلكات، وتعدتها في محاولات لهتك الأعراض..وكان نتاجها الدم مابين قتيل وجريح، وسيارات تترنح أثر تحطم زجاجها وإصابة قائدها..ومختلف القذائف تنهال من كل جانب، فتجاوزت الحجارة سارية لزجاجات المشروبات الغازية. وتم الإعتداء على مختلف المحال التجارية، حتى تلك التي أفلح أصحابها في إغلاقها، تم كسر أبواب بعضها ونهب المحتويات القيمة قبل أن تضرم فيها النيران. ومن لم يفلحوا في إقتحامها سكبوا المواد البترولية أسفل أبوابها وأشعلوا النيران في محتوياتها، وأسوأ مافي الأمر هو الإعتداء على الصيدليات بالتدمير والسرقة والحريق وقتل الصيدلي المتواجد بها قبل حرقها بالكامل.
    أما السيارات المتوقفة فكان يتم تحطيم زجاجها وسرقة بعض محتوياتها ومن ثم إشعالها، وتم حصار الأطفال في مدارسهم، لاسيما بعض المدارس الخاصة وإمطار فصولها بالحجارة وتحطيم زجاج السيارات التي تأتي لإصطحابهم..ولم يتمكن الكثيرين من الوصول إلى مواقع سكنهم لأن وسائل المواصلات توقفت لضمان سلامتها، أو الخروج بأخف الأضرار..
    عاشت المدن لحظات عصيبة لإنفلات أمني من بعض الفئات الحاقدة على المجتمع فأندفعت تبث سمومها فيه.
    بين هذا وذاك!!
    هنالك عدة نقاط سأحاول التوقف عندها بعضها خاص بالرئيس اليوغندي:
    عند مشاركته في الإحتفال الرسمي بتنصيب د. قرنق نائباً أول لرئيس الجمهورية:
    1-غادر مقعده لفترة مخالفاً لبروتوكولات الضيافة.
    2-كان يربت بيده في إيقاع التصفيق على مسند يد مقعده أثناء تصفيق الرؤساء وكبار الضيوف، بل وإستمر في فعلته تلك عند توقف التصفيق، وكرر ذلك أكثر من مرة، ويمكن ملاحظة ذلك بصورة جلية في العرض التلفزيوني والتسجيل لتلك المناسبة. وهذا إن دل على شئ ، هل توضح سعادته البالغة؟
    ومتواليات الأحداث للرئيس اليوغندي بدءاً ب:
    1- تأخير إخطاره للحكومة السودانية بمصير مروحيته التي تقل الفقيد لمدة تجاوزت أكثر من ٢٤ ساعة.
    2- إنتهاكه لسيادة البلاد بدخوله بقوات وآليات عسكرية تعمل لحمايته عند حضوره لإلقاء النظرة الأخيرة في مدينة «ياي».. دون إخطار للحكومة السودانية
    3- إطلاقه لتصريحات تفيد بإحتمال وجود تدبير وراء حادث تحطم المروحية قبل يوم من تشييع جثمان الفقيد.
    4- عدم مشاركته في تشييع الجثمان
    5- محاربته لأجهزة الإعلام ومحاولة قمعها ومنعها من الخوض في ملابسات الحادث المأساوي.
    التناول الإعلامي للأحداث
    كالعادة كان التلفزيون السوداني بعيداً عن الأحداث، وماقدمه من تغطية كانت لمخلفات مابعد الأحداث، فكان الناس يتابعون المستجدات عبر الفضائيات الأخرى..ومايغيظ في الأمر هو ذلك المذيع التلفزيوني الذي ينتقل بناقل صوته داخل ردهات القصر الجمهوري، ليردد بين الحين والآخر بأن الفقيد الذي إنقل صباح اليوم!!..دونما تصحيح من الإدارة السياسية والأخبارية بالتلفزيون، إذ كان مصرع د.جون قرنق في أمسية السبت 03 يوليو، والإعلان الرسمي هو الإثنين 1 أغسطس.. هل نقولها للتلفزيون: «أصحى يابريش؟!»
    أما المصور الصحافي الوحيد الذي عرض حياته للخطر هو مصور صحيفة الوطن-سعيد- الذي كان في موقع الأحداث الساخنة بكاميرته، فتعرض للإعتداء بالسلاح الأبيض وتدمير كاميرته وسلب أمواله.. وللزميل نقول له حمداً لله على السلامة وتضحيته في سبيل الحصول على الصورة الصحافية التي نفتقدها..ولكن المجرمين يعلمون جيداً بأن الكاميرا ستدينهم، وهو دليل إثبات في مثل هذه الحالات..وكثيراً ماشاهدنا عبر التلفاز من ضبط عبر الصور الثابتة أو المتحركة لمجرمين..وخير مثال للصور الملتقطة لبعض المشتبه بهم في تفجيرات لندن الأخيرة.
    وخلال سبعينيات القرن الماضي شاهدنا تلك الصورة الشهيرة والأخيرة لملتقطها، وكانت دليل إدانة ضد قاتله..وكانت عند تغطيته لمحاولة إنقلابية في إحدى الدول، وكانت صورته لمجموعة من الجنود يعتلون إحدى الناقلات العسكرية، وأحدهم يصوب سلاحه نحو المصور فكانت زر اللقطة مقابل الرصاصة التي أصابته في مقتل، وعند طباعة الصورة كان التعليق تحتها «هذا هو قاتلي»!!وتمت بموجبها معاقبة القاتل.
    الكلمة كالرصاصة!!
    يجب ألا نغفل الدور الذي تلعبه الكلمة المكتوبة أو المنطوقة، إذ تتطلب الحكمة أولاً وأخيراً عند تناول الأحداث، لما يمكن أن تلعبه من أدوار تحريضية وفتن لايحمد عقباها..فكم من قلم متفاعل مع الأحداث، وردود أفعال لحظية متشنجة تعبر عنها الأقلام وتنداح بها أحبار المطابع لأيدي عشرات الآلاف..داعين للإنفصال اليوم قبل الغد!!
    وكم هو مؤلم أن تذكر تلك الصحيفة الدور الذي لعبته زوجة أحد القيادات الجنوبية -مذكورة بالأسم-في التصدي لأولئك الرعاع..وهذا النشر يضر بسلامتها الشخصية مستقبلاً من أولئك المقصودين.
    وشئ آخر هو تلك المكالمات الشيطانية والرسائل التي تصفع الناس بمختلف الشائعات، في مقصد دنئ لنسف الإستقرار، وكان أخطرها شائعة مصرع اللواء فاولينو ماتيب.ومابين إطلاق الشائعة ودحضها فترة زمنية كافية لحدوث مالايحمد عقباه.
    وفي الختام نسأل المولي العلي القدير أن يحفظ الجميع لما فيه خير لهذه الأمة، وأن تعم الطمأنينة والوئام ربوع بلادنا الحبيبة..في وقت يتربص بنا أعداء كثيرون يتمنون تفكيك المليون ميل مربع لدويلات متناحرة..ليسوقوا أسلحتهم مقابل بترولنا وجماجمنا.


    عدل سابقا من قبل طارق نصر عثمان في الأربعاء يونيو 23, 2010 4:57 am عدل 4 مرات
    avatar
    طارق نصر عثمان
    المشرف العام
    المشرف العام

    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    العمر : 52
    الموقع : الخرطوم

    رد: إتكاءة علي الماضي-الساهر -سبتمبر 2005 

    مُساهمة من طرف طارق نصر عثمان في الأحد يونيو 13, 2010 3:02 am

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس مارس 30, 2017 2:52 am